لمدة سنتين كاملين، كنت بشيل العشا وأروح بيه للست العجوزة اللي ساكنة في شقة 302، ورغم كدة، هي مسمحتليش ولا مرة إني أخطي عتبة بيتها.
الحيطان كانت متغطية بالصور..
مش صور ولادها.. ولا صور أحفادها.. ولا صور قرايبها.
كانت صوري أنا.
صورة وأنا شايلة أكياس الخضار.. صورة وأنا نازلة الشغل.. صورة وأنا بولع شمعة في البلكونة في العيد.. صورة وأنا واقفة في المطر قدام العمارة.. وصورة وأنا بضحك في الموبايل عند السلم.
اسمي كان مكتوب فوق سريرها بخط إيد كبير ومهزوز نور.
وتحت الاسم، مربوط بخيط أحمر، كان فيه خلخال فضة بتاع بيبي صغير.. نفس الخلخال اللي أمي كانت لابساه في صورتها الوحيدة اللي معايا.
نفسي اتكتم.
وفجأة، الست الشيك اللي شفتها من شهور دخلت الشقة، وزقت العساكر.
زعقت فيا إنتي بتعملي إيه هنا؟
قبل ما أرد، الظابط رفع المخدة من على سرير الست عطيات.
كان فيه ظرف مقفول.. مكتوب عليه بخط مرعوش خمس كلمات
ل نور.. قبل ما يكذبوا عليكي.
الست الشيك وشها بقى أبيض زي الورقة، وحاولت تخطف الظرف، بس أنا كنت أسرع منها.
فتحت الظرف.. لقيت صورة بيبي لسه مولود، ملفوف في لفة صفراء.
وعلى ضهر الصورة، الست عطيات كانت كاتبة
دي الطفلة اللي قالوا لي إنها ماتت وهي بتتولد.
قلبت الصورة بإيد بتترعش..
وراء البيبي، واقفة جنب سرير المستشفى.. كانت أمي.
الجزء الثاني المواجهة والدم الواحدة
الصورة اللي وقعت من إيدي على الأرض، كانت لأمي.
وقعت على ركبي من الصدمة.. أمي مكنتش لوحدها في الصورة دي، كانش في حديقة الميريلاند، شعرها الأسود نازل على كتافها، ولابسة الابتسامة التعبانة اللي كانت دايماً بترسمها عشان تخبي خوفها من الكاميرا. وفي حضنها بيبي صغير ملفوف في لفة بينك.. أنا.
ووراها، كانت الست عطيات وهي أصغر بكتير، بس بنفس العينين الحزينة، وحاطة إيدها على كتف أمي كأنها بتسندها عشان ماتقعش.
قلبت الصورة بإيد بتترعش.. كان
عطيات.. شكراً إنك خبيتيني في وقت الكل كان بيدور عليا عشان يأذيني.. لو نور رجعت لك في يوم من الأيام، قولي لها إني حبيتها أكتر من عمري. مريم.
اسمي كان مكتوب بخط أمي.. بقالي 14 سنة مشفتش حد كاتب اسمي بخطها.
فتحت الظرف الأول من الأظرف الكتير اللي كانت مربوطة بشريط أحمر.. كان مكتوب بخط الست عطيات المهزوز
يا نور عيني.. لو بتقرئي الكلام ده، يبقى أنا خلاص مابقتش قادرة أحرس الباب أكتر من كدة. سامحيني إني مدخلتكيش شقتي، مش لأني مش عاوزاكي، لكن لأني كنت خايفة يعرفوا إنك إنتي الطفلة.
الطفلة؟ طفلة إيه؟
فتحت ظرف تاني بسرعة..
أمك جات لي في ليلة مطر، كانت متبهدلة وراجعة من مشوار بعيد مشي عشان مكنش معاها تمن التاكسي.. شفتها كانت مجروحة ومعاها شنطة هدوم صغيرة. طلبت مني حاجة واحدة بس لو جرالها حاجة، محدش يعرف مكانك أبداً.
وداني بدأت تصفر.. أمي محكتليش حاجة من دي أبداً. كانت بتقولي دايماً إن أبويا سابنا ومات قبل ما أمشي.. ماتت وهي ساكتة، كأنها كانت في سباق وخلص.
ظهور الذئاب
فتحت الصندوق الخشبي الصغير بالمفتاح الدهبي.. لقيت جواه خلخال فضة محفور عليه اسمي.. نور.. وميدالية عليها صورة السيدة العذراء في خيط أحمر.. وخصلة شعر صغيرة.. وشوية ورق. واحد منهم كان شهادة ميلادي، والتاني كان جواب من أمي بتاريخ قديم جداً
يا عطيات.. رندا عرفت مكاني في الشغل. ورأفت بعت لي كلام إن البنت دي بتاعته لأنها شايلة دمه. مخليهوش ياخدها مني.. أنا مش عاوزة فلوسهم، أنا مش عاوزة حاجة.. أنا عاوزة نور وبس.
رندا.. رأفت..
الأوضة فجأة بردت أوي.
رندا هو نفس اسم الست الشيك اللي كانت بتيجي تاخد الظرف من الست عطيات.. وهي نفسها اللي كانت واقفة في العزا وبتقول لبنتها
وفجأة.. الباب اتفتح من غير خبط.
دخلت رندا الأول.. النضارة الشمس فوق راسها، وبتبص للأوضة كأنها بتثمن العفش. ووراها راجل في الستينات، طويل، لابس قميص أبيض وبطنه بارزة من الحزام الجلد.. عرفته فوراً.. كان في العزا، مدمعش ولا دمعة، كان بس بيعد الأدراج بعينه.
زعقت رندا إنتي بتعملي إيه هنا بالورق ده؟
صوتها مكنش فيه مفاجأة.. كان فيه غل.
حضنت الصندوق في صدري وقلت بقرأ اللي الست عطيات سابتهولي.
رأفت بص لي.. أول مرة يبص في وشي بجد. جفنه اترعش.. هو عرفني.
قال بلهجة آمرة هاتي الورق ده.
قلت له بصوت مخنوق إنت رأفت؟
رندا ضحكت ضحكة صفرا بصي يا شاطرة.. إنتي جارة كنتي بتجيبي شوربة وبس.. ده ميعملش منك واحدة من العيلة.
قلت لها بقوة لأ.. بس الدم بيعمل.
رأفت اتعصب وقال إنتي ولا حاجة بالنسبة لي.
الجملة دي وجعتني، مع إني عمري ما تمنيت يكون لي أب زيه.. بس شفت في عينه إنه بينكر وجودي كأني بقعة على قميصه الأبيض. فهمت ليه أمي هربت.. هربت من السم ده.
انكشاف المستور
رندا هجمت عليا عشان تاخد الصندوق، زقتها فوقعت على السرير.. الأظرف اتطرت في كل حتة.. نور.. نور.. نور.. اسمي كان مالي الأوضة كأن الست عطيات كانت بتحاوطني بجيش من الورق.
رأفت قفل الباب بالمفتاح.. صاحب البيت اللي كان واقف معايا حاول يتدخل، فرأفت زقه وقاله خليك بره الموضوع ده.
جريت على المطبخ، ومسكت موبايلي، رندا شدتني من شعري والوجع كان هياكل راسي.. هاتي الورق يا زبالة!
صورة أمي وقعت من إيدي على الأرض.
في اللحظة دي، الخوف طار.. اتحول لغضب.
خبطت إيد رندا بالصندوق بقوة، وجريت فتحت باب الشقة وصرخت في الطرقة بكل صوتي
يا عم صابر! يا سكان العمارة! الحقوني!
العمارة اللي كانت عاملة مش شايفة
جارتنا من الدور التاني طلعت وهي ماسكة طاسة في إيدها.. وواحد من الدور الأول طلع بقميص البيت.. وعم صابر البواب طلع ينهج وهو بيعدل طاقيته.
رأفت طلع ورايا وقال ببرود البنت دي بتسرق حاجة أمي.
صرخت كذاب! أنا معايا جوابات.. ومعايا شهادة ميلادي.. الست عطيات هي جدتي، وهي اللي خبتني منكم طول السنين دي عشان متعملوش فيا اللي عملتوه في أمي!
رندا خرجت وهي بتمسح دراعها البنت دي نصابة، واستغلت واحدة عجوزة مخها خرف.
قلت لها إنتي اللي كنتي بتيجي تبتزيها وتاخدي منها فلوس في أظرف.. أنا شفتك بعيني وعم صابر شافك!
رندا وشها بقى أصفر.. وعم صابر بصلها وقال بصوت واطي أيوة.. أنا شفتها كتير، والست عطيات الله يرحمها كانت بتبكي بعد كل زيارة ليكي.
الطرقة اتملت بالهمس.. والعيون كلها بقت عليهم.
رأفت بص لي بنظرة أخيرة.. نظرة كلها كره، وخد مراته وانسحبوا من العمارة وهما بيتوعدوا.. بس هما عارفين إن الورق اللي في إيدي يوديهم ورا الشمس.
النهاية
وقفت في نص شقة 302.. الشقة اللي كانت مقفولة في وشي سنتين.
فهمت ليه الست عطيات مكنتش بتدخلني.. كانت خايفة ألمح صوري اللي مالية الحيطان وأسأل.. كانت خايفة حد من ولادها يجي فجأة ويشوفني عندها، فيعرفوا إن نور لسه عايشة.
الست عطيات مكنتش جارتي.. كانت جدتي اللي ضحت بآخر سنين عمرها في وحدة وعزلة، وعملت نفسها غريبة عني، بس عشان تحميني من عيلة مابتعرفش غير لغة القرش.
بصيت لطبق الرز بلبن الأخير اللي كنت جايباهولها.. كان لسه مكانه.
بسته وحطيت راسي على سريرها وعيطت.. عيطت لأني مكنتش نور اليتيمة.. أنا كان عندي أهل بيحبوني، واحدة ماتت وهي بتهرب بيا، وواحدة ماتت وهي بتحرسني من وراء الباب.
شقة 302 مكنتش مجرد سكن..