لمدة سنتين كاملين، كنت بشيل العشا وأروح بيه للست العجوزة اللي ساكنة في شقة 302، ورغم كدة، هي مسمحتليش ولا مرة إني أخطي عتبة بيتها.
لمدة سنتين كاملين، كنت بشيل العشا وأروح بيه للست العجوزة اللي ساكنة في شقة 302، ورغم كدة، هي مسمحتليش ولا مرة إني أخطي عتبة بيتها. لما ماتت وأخيراً دخلت من الباب ده، لقيت حاجه فوق سريرها، عرفتنى السر اللى كانت مخبياه عنى سنين
أمانة في شقة 302
لمدة سنتين كاملين، كنت بشيل العشا وأروح بيه للست العجوزة اللي ساكنة في شقة 302، ورغم كدة، هي مسمحتليش ولا مرة إني أخطي عتبة بيتها هى كانت عايشه جنبى من سنين وحيدة..
أهلها مكنوش بيزوروها..
الجيران كانوا بيعملوا نفسهم مش شايفينها..
أنا كان كل همي إنها متاكلش لوحدها..
بس ليلة ما دخلت أوضتها، عرفت إن الست عطيات مكنتش وحيدة بالصدفة..
كان فيه حد دافنها في الشقة دي وهي لسه بتتنفس.
أنا اسمي نور راضي.
عندي أربعة وتلاتين سنة، لسه متجوزتش، وساكنة في الدور التالت في عمارة قديمة في مصر الجديدة.
شقة 301.
والست عطيات كانت جارتي في شقة 302.
باب شقتها كان لونه بني، متجرح من عند المقبض، فوق الجرس كان فيه ملصق قديم لآية الكرسي لونه باهت، وجنب المشاية كان فيه قصرية زرع صبار ميتة.
كانت عندها اتنين وتمانين سنة.
معصم إيدها رفيع جداً..
لابسة بلوفر رمادي حتى في عز الصيف..
شعرها أبيض وملموم بدبابيس سوداء..
ورجليها كانت بتتسحل ببطء وهي ماشية على بلاط الطرقة.
محدش كان بيسأل عليها..
لا في عيد، ولا في مناسبة، ولا حتى في عيد
ولا حتى لما كانت بتكح جامد لدرجة إن صوت كحتها كان بيخترق الحيطة اللي بينا في نص الليل.
كل اللي في العمارة كانوا عارفين إنها موجودة، بس كانوا بيعاملوها كأنها بقعة قديمة على السلم..
شايفينها..
مضايقاهم..
بس متجاهلينها تماماً.
بداية الحكاية
أنا اتكلمت معاها بالصدفة.
في يوم كنت طالعة ولقيتها واقفة في نص السلم، بتحاول تشيل شنطة خضار تقيلة.
طماطم.. كيس لبن.. عيش فينو.. وشوية فلفل أخضر.
إيدها كانت بتترعش لدرجة إن الشنطة البلاستيك كانت هتتقطع منها.
قلت لها خليني أساعدك يا طنط.
بصت لي كأنها نسيت أصلاً يعني إيه حد يمد لها إيده بالمساعدة.
قالت لي بصوت واطي مش عايزة أتعبك يا بنتي.
رديت تعبك راحة.
شلت الشنطة وطلعتها لحد باب شقتها.
وفي نفس الليلة، عملت طبق كشري وطلعت خبطت عليها لأني كنت طابخة كتير.
فتحت الباب حتة صغيرة أوي.. على قد الوربة.
الريحة خرجت من الشقة الأول..
ريحة بودرة تالج.. خشب قديم.. دوا.. وريحة وحدة.
خدت الطبق بإيديها الاتنين وقالت وهي بتهمس محدش طبخ لي من سنين.
ابتسمت.. بس مقالتليش اتفضلي.
من اليوم ده، الموضوع بقى عادة.
كل يوم الساعة سبعة، بعد ما بخلص ورديتي في مكتبة الأدوات المكتبية اللي شغالة فيها، بخبط على بابها.
يوم شوربة خضار.. يوم رز وبسلة.. يوم فطير لما يكون عندي دقيق زيادة.. ويوم شاي بالجنزبيل لما بسمع كحتها زادت..
كانت دايماً بتقول نفس الجملة ربنا يرد لك الجميل ده يا ضنايا.
وبعدين تقفل الباب براحة..
عمره ما اتفتح أكتر من عرض كتفها..
وعمرها ما سابتني أشوف إيه اللي جوه.
في الأول افتكرتها مكسوفة.. بعدين قلت يمكن محروجة من فقرها.. بس بعدين فهمت إنها كانت بتخبي وجع.
أحياناً وأنا واقفة بره، كنت بسمع صوت تليفزيون واطي.. أغاني قديمة لشادية.. صوت أدراج بتتقفل بسرعة.. صوت ورق بيتحرك.. وهمس كان بيسكت أول ما بخبط.
الزائرة الغامضة
مرة، شفت ست شيك جداً واقفة قدام بابها.
لابسة فستان حرير.. خاتم ألماظ.. وريحة برفيوم قلبت ريحة الطرقة كلها.
مجبنش معاها ورد.. ولا أكل.. ولا حتى دواء.
كان باين عليها النرفزة والاستعجال.
الست عطيات فتحت لها الباب، والست دي زقتني بكتفها ودخلت من غير حتى ما تبص لي.
بعد ربع ساعة، خرجت وهي ماسكة ظرف أبيض.
الست عطيات كانت واقفة وراها، وكان شكلها أصغر وأضعف من الأول.
سألتها إنتي كويسة يا طنط؟
ابتسمت، بس عينيها اتملت دموع وقالت فيه ولاد مبيعرفوش طريق أمهم إلا لما بيعوزوا منها حاجة.
كنت عايزة أسأل أكتر، بس هي قفلت الباب.
بعد الموقف ده، بقيت أجيب كميات أكل أكبر.. مش عشان هي طلبت، بس عشان لاحظت إنها كل ما كانت بتمسك الطبق، رعشة إيدها بتقل.
بدأت تستناني.. كنت بعرف لأني قبل ما أرن
ساعات كانت بتسألني عن شغلي.. عن إيجار شقتي.. وساعات عن أمي، اللي ماتت وأنا لسه بيبي.
سألتني مرة فاكرة شكلها؟
قلت لها لأ.. ماليش غير صورة واحدة بس ليها.
صوابع الست عطيات ضغطت على الطبق جامد وقالت كان اسمها إيه؟
قلت لها مريم.
الطبق كان هيقع من إيدها، بس أنا لحقته.
طنط.. إنتي كويسة؟
بصت لي بنظرة طويلة أوي.. وبعدين همست كلي كويس يا نور.. البنات اللي من غير أمهات بيسنوا يأكلوا نفسهم.
الليلة دي، أنا عيطت في مطبخي من غير ما أعرف السبب.
ليلة الحقيقة
لمدة سنتين، مادتنيش أبداً أدخل جوه.. ولمدة سنتين، أنا مأجبرتهاش.
لحد ما جه يوم اتنين بالليل.. خبطت.
محدش رد.
خبطت تاني.. مفيش فايدة.
مروحة الطرقة كانت بتزيق فوق راسي.. قصرية الصبار كانت مقلوبة على الأرض.. وكيس اللبن اللي شفته الصبح قدام بابها لسه مكانه.. بارد ومحدش لمسه.
الخوف سكن قلبي.
كلمت بواب العمارة.. وبعدين صاحب البيت.. وبعدين البوليس.
لما كسروا القفل، الريحة كانت أول حاجة صدمتنا.
مش ريحة وحشة.. كانت ريحة سكون.. ريحة أوضة بطلت تستنى حد.
الست عطيات كانت واقعة على الأرض جنب سريرها.. إيدها كانت مفرودة ناحية الباب، كأنها كانت بتحاول توصل لي.
غطيت بوقي من الصدمة.. البواب تمتم بشوية أدعية.. والشرطة قالت وفاة طبيعية.
شيخوخة.. ضعف في القلب.. مفيش شبهة
بس أنا مكنتش سامعة حد فيهم.
لأني أخيراً شفت شقة 302 من جوه.
والشقة مكنتش فاضية.