دخلت المستشفى بشنطة هدوم قديمة ودموع محبوسة عشان أولد ابن الراجل اللي رماني في الشارع.. بس أول ما الدكتور شاف الوحمة اللي في رقبة ابني، انهار من البكا
دخلت المستشفى بشنطة هدوم قديمة ودموع محبوسة عشان أولد ابن الراجل اللي رماني في الشارع.. بس أول ما الدكتور شاف الوحمة اللي في رقبة ابني، انهار من العياط
صرخة في ممرات المستشفى
اسمي ليلى منير. عندي ستة وعشرين سنة، وفي الصبح ده دخلت مستشفى القصر العيني في القاهرة، وماسكة في إيدي شنطة هدوم صغيرة، ولابسة بلوفر قديم، وجوايا تسع شهور من السكوت المكتوم في صدري.
عند الاستقبال، الممرضة ابتسمت لي بهدوء وقالت
جوزك جاي في الطريق يا مدام؟
ابتسمت لها.. واحدة من الابتسامات الباهتة اللي الست بتتعلم ترسمها عشان تهرب من نظرات الشفقة أو الأسئلة الكتير
أيوه، زمانه على وصول.
كذبة.
ياسين المنشاوي سابني من سبع شهور.
سابني في نفس الليلة اللي حطيت فيها إيدي على إيده وقلت له
أنا حامل.
لا زعق، ولا شتمني، ولا كسر حاجة في البيت.
وقف مكانه مذهول، كأن خبر ابني ده حاجة ما تناسبوش.
بعدها لم قميصين في شنطة وقالي
محتاج أفكر.
وما رجعش.
ولا مكالمة، ولا رسالة، ولا حتى كلمة اعتذار.
اختفى ببساطة، وساب وراه ريحة عطره في الأوضة ووعد ميت على التربيزة.
بكيت تلات أسابيع متواصلة.. بعدها وقفت بكاء، لأن الجوع مبيستناش حد يلم جراحه.
أجّرت أوضة وصالة قريبة من السوق، واشتغلت ورديتين في مطعم شعبي صغير.
غسلت أطباق لحد ما صوابعي اتشققت، وكنت بقدم الشوربة، وأمسح الطرابيزات، وأداري دوختي، وأعد الفكة اللي بتطلع لي.. وكل يوم بالليل أحط إيدي على بطني وأكلم ابني
متخافش يا حبيبي.. أنا مش هسيبك أبداً.
لحظة الميلاد
الوجع بدأ قبل الفجر.. وجع قاسي كأنه بيقسم ظهري نصين، كنت بعضّ في الملاية عشان ما أصرخش.
اتناشر ساعة.. اتناشر ساعة من العرق والألم، وإيدي محبوسة في قضبان السرير.
كنت ببص للباب مع كل خبطة، رغم إني عارفة يقيناً إن ياسين مش هيدخل منه.
الممرضات كانوا حنينين معايا، واحدة بتمسح جبيني، والتانية بتقولي
نَفَس يا ليلى.. خلاص هتمسكي ابنك في حضنك.
كنت بكرر جملة واحدة بس
يارب يطلع سليم.. يارب يكون بخير.
الساعة 317 العصر، ابني شرف الدنيا.
صرخ صرخة قوية وعالية.. كأنه بيعلن للعالم إنه جاي يطالب بحقه في الدنيا دي.
الصرخة دي كسرتني.. مش من الحزن، لكن من الراحة.
لأني كنت خايفة طول الشهور اللي فاتت إني ما أقدرش أحميه من وحدتي.
سألت وأنا بعيط
هو كويس؟ ابني جراله حاجة؟
الممرضة ابتسمت وهي بتلفه في كافولة بيضا
زي الفل يا حبيبتي.. قمر ما شاء الله.
مديت إيدي.. كنت عايزة أشمه، وأبوسه، وأعتذر له إنه اتولد في قصة وحيدة كده.
لكن قبل ما يحطوه في حضني، دخل دكتور النبطشية.
الدكتور رفعت المنشاوي.
راجل في الستينات، شعره شايب، وبالطو أبيض ناصع، وملامح وش حازمة لواحد شاف مآسي كتير فمبقاش يتهز بسهولة.
مسك التقرير الطبي.. وبص في اسمي.. وبعدين قرب من الطفل.
وفجأة.. اتسمر مكانه.
في الأول افتكرت إن في حاجة غلط في الولد.
الممرضة لاحظت وقالت بقلق
يا دكتور؟
مردش.. كان باصص لملامح ابني بذهول.
المناخير.. الفم.. الصوابع الصغيرة المقفولة.
والوحمة.. وحمة صغيرة تحت ودنه الشمال، لونها كاكاو، وشكلها زي الهلال.
وش الدكتور بقى لونه أبيض زي الورق.. والتقرير الطبي اتكرمش في إيده.
وبعدين.. عينيه اتملت دموع.
مش دموع تأثر عادية.. ده كان وجع.. وجع قديم وصعب.
حاولت أتعدل وأنا جسمي بيترعش
ابني ماله يا دكتور؟ انطقوا!
محدش رد.. الممرضة بصت للدكتور بخوف
دكتور رفعت، حضرتك كويس؟
بلع ريقه ومسح وشه بإيديه، بس دموعه كانت بتنزل بغزارة.
سأل
فين أبو الطفل ده؟
قلبي نشف ورديت بحدة
مش موجود.
محتاج أعرف اسمه بالكامل.
ليه؟ عشان إيه؟
أرجوكي..
صوته مكنش صوت دكتور بيكلم مريضة.. كان صوت راجل مكسور بيترجى.
مسكت في الملاية وقلت
اسمه ياسين.
الدكتور غمض عينيه.. والممرضة بطلت تتحرك.
همس وهو بيترعش
ياسين إيه؟
حسيت بغضب بياكل فيا.. غضب من ياسين اللي سابني، وغضب من الموقف ده
اسمه ياسين رفعت المنشاوي.
الحقيقة المُرّة
السكوت حل في الأوضة زي التلج.
الدكتور رجع خطوة لورا، وحط إيده على قلبه
لا.. مش ممكن..
الممرضة شالت البيبي بحرص شديد، كأنها شايلة قنبلة موقوتة.
يا دكتور.. إنت تعرفه؟
مبصش لها، كان باصص لابني بس
الوحمة دي.. كل رجالة عيلة المنشاوي بيتولدوا بيها.. دي علامة عيلتنا.
حسيت إن الهوا طار من صدري
عيلتكم؟
الدكتور رفع عينه في عيني، ووشه كان محطم تماماً
يا ليلى.. ياسين رفعت المنشاوي يبقى ابني الوحيد.
دمي هرب من عروقي
إيه؟!
ابني الوحيد.. اللي ماليش غيره.
مبقتش فاهمة حاجة.. الدنيا بدأت تلف بيا
طب قوله ييجي بقى.. قوله ابنه جه الدنيا.. قوله إن الموضوع مش محتاج شجاعة كبيرة عشان يشيل ابنه خمس دقايق!
الدكتور نزل عينه في الأرض.. وفي اللحظة دي عرفت إن في كارثة أكبر.
قال بصوت واطي ومكسور
ليلى.. ياسين ما هجركيش..
صرخت فيه
ما تقولش كده! أنا شفته وهو بيمشي.. شفته وهو بيسيبني لوحدي!
بص للبيبي تاني، وبعدين بصلي، وقال الجملة اللي شقت حياتي نصين
ابني اختفى في نفس الليلة اللي مشي فيها من عندك.. ومن سبع شهور، في حد كان مأكد لي إنك إنتي كمان موتي في حادثة معاه!
ميتة انا ، إزاى؟
الكلمة طلعت مني باهتة، ملهاش أي قوة.
الدكتور رفعت ساند ضهره على طرف السرير، وفجأة بان عليه العجز وكأنه
سألته بصوت واطي
مين اللي قالك كدة؟
غمض عينيه بمرارة وقال
مراتي.. بهيرة هانم.. أم ياسين.
حسيت ببرودة الموت بتجري في عروقي.. التعب اللي بعد الولادة اتحول لتلج.
مراتك؟
أيوه.. بهيرة السيوفي.
في اللحظة دي، ابني صرخ تاني.. صرخة جعان محتاج حضن وأمان. الصرخة دي رجعتني للواقع، مديت إيدي وقلت للممرضة بحدة
هاتيه.. هاتيه في حضني.
بصت للدكتور، فكررت كلامي
بقولك هاتيه.. مهما حصل، ده ابني أنا.
حطوه على صدري، لزق فيا كأنه عارفني من سنين.. ملمس جلده الدافي وريحته المسكرة خلتني أعيط من غير صوت. حضنته بكل قوتي اللي باقية لي.
الدكتور وطى صوته وسألني
يا ليلى، لازم أعرف.. ياسين كان عارف إنك حامل؟
طبعاً كان عارف، أنا قولتله في الليلة اللي مشي فيها.. سابني وقال محتاج أفكر.
رد الدكتور وهو عينه مكسورة
هو ما رجعش ليكي عشان مكنش يقدر يرجع.. مش عشان مش عاوز.
بصيت له بغضب
ما تطلبش مني اسامحه يا دكتور. أنا شفت الويل.. كنت بدفع الإيجار لوحدي، وبقع من طولي وأنا بغسل الصحون ومحدش بيسمي عليا.. أنا ولدت لوحدي!
هز راسه كأن كل كلمة مني بتلطشه على وشه
عندك حق.. أنا مش بطلب منك تشفقي عليا، أنا بطلب منك خمس دقايق بس أقولك ابني فين بقاله سبع شهور.
الممرضة الكبيرة قفلت الباب، والأوضة بقت كاتمة وخطيرة. بره في الممرات صوت الزحمة والحياة، وجوه في طفل بيتنفس على صدري، وراجل بيبكي على ابنه اللي كنت فاكراه ندل.
الدكتور بدأ يحكي
ياسين جالي البيت ليلتها وهو منهار، قالي إنك حامل وإنه هيخلف اخيرا و يبقى عنده ابن .
أنا قولتله يفكر عشان
بس بهيرة كانت بتسمعنا.. كانت عاوزة له حياة تانية، واحدة من مستوانا.
حصلت خناقة كبيرة، وأنا نزلت