طول عمري أهلي بيمنعوني حتى أبص في وش جارنا، وكانوا دايمًا بيوصفوه بـ 'الوحش'.. بس لما مات عرفت الحقيقة المره ،

لمحة نيوز

الجزء الثاني: الصندوق الأسود

​سليم راح بيت جده.. البيت اللي بقى ملكه. ريحة الخشب والتراب والذكريات كانت في كل مكان. طلع المندرة ولقى الصندوق الرمادي. فتحه، وأول حاجة وقعت عينه عليها كانت قصاصة جرنان قديمة من سنة 1981: "مصرع أم لطفلين في حادث تصادم.. والسائق يلوذ بالفرار."

​الست كان اسمها "زينب"، عندها 29 سنة، من ضواحي الجيزة. كانت خارجة تجيب دواء لابنها اللي حرارته كانت عالية، وعربية زرقاء خبطتها وهربت. سليم كمل تدوير، لقى صور لعربية "مستشفى" زرقاء مخبوطة من قدام، ووصولات تصليح في ورشة في طنطا مدفوعة كاش بعد الحادثة بيومين.

​وبعدين لقى الصدمة.. جواب بخط إيد أبوه: "يا بابا، أنا عارف إنك شاكك. أنا كنت شارب، ومشفتهاش. لما سمعت الخبطة خوفت وهربت. مكنتش عايز أموتها. أبوس إيدك متبلغش، لو بتحبني اسكت. ابنك، رأفت المنشاوي."

​سليم حس بغثيان.. أبوه مكنش اسمه "رأفت رامي" زي ما مكتوب في البطاقة، كان اسمه "رأفت المنشاوي". أبوه مسح هويته بالكامل وهرب من جريمة قتل ست غلبانة.

​لقى جواب تاني من الجد إبراهيم بيرد فيه: "يا رأفت، أنا مش هقدر أشيل الذنب ده معاك. الست دي وراها يتامى. لازم تسلم نفسك، لو مروحتش القسم قبل آخر الشهر، أنا

اللي هبلغ. حبي ليك مش معناه إني أداري على جريمتك."

​رد رأفت كان حقير: "لو بلغت، هختفي. هغير اسمي وعمري ما هتشوفني تاني. ولو خلفت ولاد، عمرهم ما هيعرفوا إنك موجود. أنت اللي بتختار هتخسرني ولا لأ."

​إبراهيم اختار الحق، ورأفت اختار الهروب. غير اسمه، اتجوز نادية، وربى سليم على إن أهله ميتين. بس إبراهيم عرف مكانه، واشترى البيت اللي جنبه عشان بس يشوف حفيده من بعيد، ويحميه بوجوده الصامت، رغم إن ابنه كان بيعامله كأنه حشرة.

 

​بعد 3 أيام، سليم راح يتعشى مع أهله. أمه كانت عاملة ملوخية وفراخ كأنها ليلة عادية. أبوه كان قاعد بيقرا الجرنال ببرود، بس أول ما شاف الصندوق، وشه بقى كأنه ميت.

​سليم حط الصندوق على المكتب وقاله: "جبت ده من بيت جدي."

نادية (الأم) جت بخوف، وسليم رمى قصاصة الجرنان قدامهم: "هنتكلم عن الست اللي قتلتها سنة 81."

​رأفت وشه بقى أبيض زي الورق: "أنت مش فاهم حاجة". سليم طلع الجواب اللي بخط إيد أبوه: "أنا فاهم كل حاجة يا رأفت المنشاوي."

نادية بدأت تعيط بانهيار، مكنتش مستغربة، كانت عارفة وساكتة السنين دي كلها.

​رأفت صرخ بصوت مهزوز: "كان حادثة! كنت صغير وخفت أضيع مستقبلي!".

سليم رد عليه برقية وحزم: "وهي

ضيعت حياتها، وولادها ضيعوا أمهم. أنت خوفت من السجن، وهي ماتت وحيدة في الشارع."

​الأم حاولت تمسك إيد سليم: "يا ابني عشان خاطرنا، ده هيدمر العيلة."

سليم نفض إيدها: "العيلة ادمّرت يوم ما بنيتوها على قبر ست غلبانة. خليتوني أكره جدي، الراجل اللي قضى عمره بيحبني من ورا السور، وسميتوه وحش وهو الوحيد اللي كان فيه ريحة النضافة في العيلة دي."

​سليم خد الصندوق ومشى. دور في السجلات لحد ما وصل لولاد الست "زينب". الابن الكبير "محمد" شغال ميكانيكي في المنصورة، والبنت "ليلى" ممرضة في القاهرة. قابلهم في كافيه بسيط، وحط قدامهم الحقيقة كاملة.

​ليلى عيطت وهي بتقرأ اسم أمها. محمد كان بيقرأ اعتراف رأفت وإيده بتترعش من الغل: "طول عمرنا فاكرين إن الفاعل مجهول.. أنا أمي ماتت وهي بتجيبلي دوا السخونية، طول عمري بحمل نفسي ذنب موتها."

​سليم بصله بأسف: "أنا آسف.. عارف إن ده مش هيرجع حاجة، بس كان لازم تعرفوا الحقيقة. جدي خسر ابنه عشان يوصل للحظة دي."

​الحكاية مخلصتش في السجن لأن الجريمة سقطت بالتقادم قانوناً، لكنها خلصت اجتماعياً. محمد وليلى نشروا الحكاية في كل مكان، والناس عرفت حقيقة "رأفت رامي" المحترم. الجيران بقوا يبصوا له بقرف، صحابه سابوه،

ومراته نادية سابت البيت وراحت تعيش عند أختها من الفضيحة. رأفت بقى عايش وحيد في بيته الكبير اللي بقى زي القبر.

​سليم نقل لبيت جده. وأول حاجة عملها إنه هدم السور. مجابش عمال، جاب مرزبة (شاكوش كبير) وفضل يهد فيه بإيده ضربة ورا ضربة وهو بيعيط وبينهج. مع كل حتة بتؤع من السور، كان بيحس إنه بيكسر الخوف والكدب اللي عاش فيه.

​ولما السور اتهد، البيتين بقوا مفتوحين على بعض. سليم قعد في الأرض وصرخ من قلبه. دخل البيت ولقى ألبومات صور جده كان مصورها له من بعيد: أول يوم مدرسة، يوم تخرجه، حتى يوم فرحه. ولقى هدايا متغلفة جده ملقاش الفرصة يديها له: ساعة يد، وقلم شيك، وجواب كان كاتبه له يوم فرحه.

​سليم دلوقتي بيروح يزور قبر جده كل جمعة. بيحكي له عن تلاميذه، وعن علاقته بمحمد وليلى اللي بقوا زي إخواته. رأفت بيبعت له جوابات اعتذار، بس سليم مش بيرد.

​سليم دايما بيقول لطلابه في المدرسة: "التاريخ مش مجرد تواريخ، التاريخ قرارات. فيه واحد بيقرر يهرب ويدمر أجيال، وواحد بيقرر يفضل مكانه ويحب في صمت ويغير حياة إنسان."

​رأفت اختار الكدب، وإبراهيم اختار الصبر، وسليم اختار الحقيقة. لأن السور مش بس طوب وإسمنت، السور بيبقى مبني في القلوب بالخوف.. ولما

بيقع، بس وقتها بنعرف مين كان "الوحش" ومين كان الملاك اللي بيحرسنا من ورا السور.

تمت

تم نسخ الرابط