طول عمري أهلي بيمنعوني حتى أبص في وش جارنا، وكانوا دايمًا بيوصفوه بـ 'الوحش'.. بس لما مات عرفت الحقيقة المره ،
طول عمري أهلي بيمنعوني حتى أبص في وش جارنا، وكانوا دايمًا بيوصفوه بـ 'الوحش'.. بس لما مات عرفت الحقيقة المره .
الحكاية بدأت بسور عالي بناه أبويا عشان يحميني من 'المجرم' اللي ساكن جنبه.. مكنتش أعرف إن السور ده مبني عشان يداري حقيقة ابشع من كده بكتير……………..
الجزء الأول: الوحش والسر
"إياك حتى تبص للراجل ده يا سليم.. ده مش مجرد جار، ده عار على العيلة كلها."
كانت الكلمات دي هي أول حاجة جت في بال "سليم" وهو شايف نعش "عم إبراهيم المنشاوي" بينزل في مدافن السيدة عائشة في قلب القاهرة. الجو كان برد، والسما مغيمة بمطر خفيف ملوش صوت. الجنازة كانت حزينة لدرجة توجع القلب؛ مفيش صوان، مفيش ورد غالي، ولا عيلة واقفة تاخد العزا. بس شيخ عجوز، واتنين من عمال المدافن، وست جارة قديمة ماشية بالعافية.. وسليم.
سليم عنده 40 سنة، مدرس تاريخ في مدرسة ثانوي في المعادي، مطلق ومعندوش ولاد. راح الجنازة بدافع غريب، رغم إن طول عمره بيسمع إن الراجل ده
لكن أهل سليم كانوا بيكرهوه كره العمى. أبوه "رأفت" كان بيعدي الشارع عشان ميسلمش عليه، وأمه "نادية" كانت تقفل الستائر أول ما تشوف عم إبراهيم خارج يجيب عيش. حتى إنهم بنوا سور عالي جداً وخشن بين البيتين، سور شكله بشع كأنهم بيحجزوا وراه وحش مفترس. ولما سليم وهو طفل يسأل: "عمل إيه يا ماما؟"، كانت ترد بتوتر: "فيه حاجات الكبار بس اللي يعرفوها، اسمع الكلام ومن غير أسئلة."
في يوم وسليم عنده 7 سنين، كورته وقعت ورا السور. لقى فتحة صغيرة في أسفل السور، بص منها وشاف عم إبراهيم قاعد على كرسي بلاستيك بيقرا كتاب قديم وجنبه كوباية شاي بالنعناع. مكنش شكله وحش.. كان شكله مجرد راجل وحيد. إبراهيم بص لسليم وابتسم بوجع: "الكورة وقعت يا بطل؟". سليم هز راسه
سليم سأله باستغراب: "أنت عارف اسمي؟". عين إبراهيم دمعت وقاله: "أنا شوفتك وأنت بتكبر من ورا السور ده."
من يومها الفتحة دي بقت سر سليم. لما أبوه وأمه يتخانقوا، أو لما البيت يبقى كئيب، كان بيروح للسور. إبراهيم كان بيكلمه عن التاريخ، عن الكتب، عن الحياة. أهداه قصص قديمة، وحلويات، وعصفور خشب منحوت بإيده، وقاله: "عشان تعرف إن حتى ورا السور فيه حد واخد باله منك."
لما سليم بقى عنده 16 سنة، قرر يواجه الحقيقة. خبط على باب إبراهيم. العجوز فتح بزهول وخوف: "مش لازم تكون هنا يا سليم". سليم رد بانفعال: "أنا زهقت.. قولي أهلي بيكرهوك ليه؟". إبراهيم اتسمر مكانه وقاله: "فيه حقائق مش ملكي إني أقولها." سليم ضغط عليه: "بس مأثرة عليا!". إبراهيم بص في الأرض وقاله جملة واحدة: "عمري ما عملت حاجة تأذيك.. كل اللي عملته
مرت السنين.. سليم اتخرج واشتغل واتجوز واتطلق ورجع سكن قريب من المعادي. وإبراهيم كبر وعجز ومبقاش يقدر يمشي، بس رفض يبيع بيته أبداً. آخر مرة سليم شافه كان في مستشفى حكومي، إبراهيم كان شاحب جداً وهمس: "كان لازم أقولك من زمان.." ومات قبل ما يكمل.
بعد الدفن، محامي شاب قرب من سليم واداله ظرف أصفر ومفاتيح وقاله: "عم إبراهيم سابلك البيت ده باسمك، وقالي إنك الوحيد اللي مش هتتخلى عنه."
سليم فتح الظرف في عربيته وإيده بتترعش. أول جملة في الورقة كانت: "إلى حفيدي سليم."
الهوا طار من صدر سليم.. عم إبراهيم مكنش الجار.. كان جده! والجواب كشف إن أبوه غير اسمه، واخترع حياة وهمية، ودفن حقيقة مرعبة بقالها 40 سنة. وفي آخر الجواب كتب إبراهيم: "في المندرة (غرفة الخزين) فيه صندوق مكتوب عليه (الحقيقة)