فتحت باب الأوضة ببطء

لمحة نيوز

كله في اللحظة دي.
ابتسمت أمنية بوهن وهي تضم ابنتها قائلة سميتها أروى.. عشان تكون هي الارتواء والبداية الجديدة لحياتنا.
لم يستطع أحمد تمالك دموعه وهو يومئ برأسه موافقاً. في تلك اللحظة، أدرك أنه كاد يفقد إيمانه وثقته، لكن بين يديه الآن ثمرة حبهماحياة صغيرة أقسم أن يحميها للأبد.
بعد شهرين، وبينما بدأت حياة الأسرة تستقر، تلقى أحمد خبراً سعيداً، أو بالأحرى تحدياً.
اتصل به مدير الموارد البشرية في شركة المقاولات الكبرى التي يعمل بها وقال له
يا بشمهندس أحمد، مجلس الإدارة اختارك لمنصب مدير مشروع قومي ضخم في العاصمة الإدارية الجديدة، لكن بشرطستضطر للإقامة هناك بشكل كامل لمدة سنة على الأقل.
ذُهل أحمد؛ سنة كاملة بعيداً عن زوجته وطفلته التي لم تتجاوز الشهرين؟
كانت هذه أكبر ترقية في حياته، المنصب الذي يحلم به كل زملائه. طلب مهلة ثلاثة أيام للتفكير.
في تلك الليلة، كان يراقب طفلته وهي نائمة بوجهها الملائكي تحت بطانية وردية صغيرة. خرجت أمنية من الحمام وسألته بهدوء مالك يا أحمد؟ في حاجة شاغلة بالك؟
حكى لها كل شيء. صمتت أمنية لبرهة، وظهرت مسحة حزن في عينيها، لكنها ضغطت
على يده وقالت لو ده حلمك، أنا هدعمك. هقدر أخد بالي من أروى، وهنتكلم فيديو كل يوم.
كان صوتها هادئاً، لكن أحمد شعر بقلبه ينقبض؛ كان يعلم أنها تحاول التظاهر بالقوة فقط.
بعد شهرين، انتقل أحمد للعمل في المشروع الجديد.
في البداية، استهلكه العمل تماماًاجتماعات، تقارير، وضغوط يومية لا تنتهي. في المساء، عندما يعود لسكنه، يتصل بزوجته فيديو. كانت أروى دائماً في حضن أمها، تبتسم وتحاول لمس الشاشة بأصابعها الصغيرة.
كانت أمنية تقول له بتكبر بسرعة أوي يا أحمد.. امبارح بدأت تتقلب لوحدها.
كان يضحك معها، محاولاً إخفاء الألم والوجع الذي يعتصر قلبه لأنه يفتقد هذه اللحظات.
لكن تدريجياً، بدأت المكالمات تقل. من مكالمة كل ليلة إلى مكالمة كل بضعة أيام. ومع زيادة ضغط المشروع، قلّ نومه، وقلّ كلامه، وقلّ سماعه لضحكات طفلته.
في يوم، وبينما كان في موقع الإنشاءات، أرسلت له أمنية رسالة
البنت حرارتها عالية جداً، أنا رايحة بيها المستشفى دلوقتي.
كان أحمد في اجتماع مهم مع مديرين أجانب ولم يستطع المغادرة. رد باختصار
وديها، وهكلمك بعدين.
عندما اتصل بها ليلاً، قالت أمنية بلهجة فاترة
أروى
بقت أحسن.. بس اعتقد لو كنت موجود، مكنتش هبقى خايفة كدة.
تلك الكلمات البسيطة كانت كخنجر طعن قلبه.
بعد أسبوع، عُرضت على أحمد ترقية أكبر كمدير إقليمي للمشاريع في الشرق الأوسط، وقال له المدير بوضوح
لو وافقت، هتسافر دبي تقود العمليات هناك.
ضجت القاعة بالتصفيق، وابتسم أحمد، لكن قلبه كان ثقيلاً كالحجر.
في تلك الليلة، وقف في شرفة غرفته ينظر لأضواء المدينة. رن هاتفه؛ كانت أمنية.
ظهرت أروى وهي تبتسم في حضن أمها. قالت أمنية بصوت خافت وحشتنا يا أحمد.
رد بمرارة وأنتم كمان وحشتوني أوي.. محتاج بس شوية وقت كمان..
نظرت أمنية مباشرة للكاميرا وقالت
يا أحمد، لو النجاح هيخليك بعيد عن أكتر ناس بتحبهم.. يبقى إيه الفايدة منه؟
ترددت كلماتها في عقله طوال الليل. ومع بزوغ الفجر، وجد إجابته.
في اليوم التالي، وأثناء اجتماع مجلس الإدارة، وقف أحمد وقال بثبات
أنا بسحب اسمي من الترشيح للمنصب ده. أنا اخترت مشروع أهم بكتير.. اخترت عيلتي.
ساد الصمت الغرفة. سأله المدير بدهشة أنت بتضحي بمستقبلك عشان إجازة؟
ابتسم أحمد وقال أنا مش بضحي، أنا بختار أرجع للمكان اللي بنتمي ليه بجد.
قدم أحمد طلباً
لإجازة طويلة بدون مرتب واستقل أول قطار عائداً للقاهرة.
عندما فتح باب الشقة، كانت أمنية تهز سرير الصغيرة لتنام. نظرت إليه بذهول، ثم انهمرت دموعها فرحاً.
اقترب أحمد وضمهما معاً بقوة وقال
أنا رجعت.. لأني عرفت إن مفيش نجاح له طعم لو مكنتش هشاركه مع الناس اللي بحبهم.
تحركت أروى، وفتحت عينيها اللامعتين، ونظرت لأبيها وابتسمت وهي تمد يدها الصغيرة لتلمس وجهه. في تلك اللحظة، أدرك أحمد أن هذه اليد الصغيرة هي القمة الحقيقية التي كان يريد الوصول إليها.
بعد عام، بدأ أحمد من جديد وافتتح مكتباً استشارياً هندسياً صغيراً في القاهرة. كان يعمل لساعات أقل ويقضي وقتاً أطول في البيت. وعادت أمنية لتدريس الرسم جزئياً.
كل مساء، كانوا يأخذون أروى للتنزه في الحديقة. أحياناً كانت أمنية تمازحه قائلة
مش ندمان إنك ضيعت فرصة الشهرة والمنصب الكبير؟
كان أحمد يضحك، ويضع ذراعه حول كتف زوجته قائلاً
لو كنت كملت هناك، كنت ممكن أبقى مشهور.. بس كنت هخسرك وأخسر بنتي، وهخسر نفسي. أنا اخترت اللي يخليني إنسان أحسن لأهم شخصين في حياتي.
ضحكت أروى وصفقت بيديها، وضحك الثلاثة معاً وهم يشاهدون غروب الشمس،
مدركين أن الحب والثقة هما الكنز الحقيقي.

تم نسخ الرابط