رتبنا جوازة أبويا اللي عنده 65 سنة لست أصغر منه بـ تلاتين سنة
عمامي بدأوا يزعقوا، وولاد عمي بيتكلموا كلهم في وقت واحد.
عمتي زحفت لورا وهي بتعيط بمرارة.
يحيى خطف الصورة من إيدي بنت مين؟ أخت مين؟
بابا بص لي، وبعدين بص للفراغ اللي ريهام سابته.
وقال بصوت يدوب مسموع
أختكم الكبيرة.
الأرض لفت بيا.
أختي الكبيرة؟ الكلمتين نزلوا علينا زي الصاعقة.
بصيت للشبكة.. وبعدين فهمت الكارثة متأخر أوي.
الست اللي إحنا لبسناها فستان الفرح وجوزناها لأبويا..
ممكن تكون هي بنته اللي تاهت منه!
لفيت لعمتي وزعقت ريهام تبقى أختي؟
عمتي غطت ودانها زي العيال الصغيرة متسألونيش.. أنا عملت اللي اطلب مني.
أبويا قرب منها مين اللي طلب منك؟
قبل ما تنطق، جه صوت من تحت السرير.
موبايل.. بيفايبريت.
إيد بابا بدأت تترعش.. وبعد ثواني جت رسالة كانت مبعوتة لرقم بابا
العواجيز اللي زيك مبتحفرش ورا بنات اتدفنوا وهما صاحيين.
أبويا قرأ الرسالة مرة.. والتانية. إيده بدأت تترعش لدرجة إن الموبايل كان هيقع من صوابعه. مفيش مخلوق نطق بكلمة. الأوضة اللي كانت ريحتها ورد وعطور أفراح، فجأة بقت ريحتها خوف.
عمتي بثينة زحفت لحد الحيطة، وصوت غوايشها وهي بتحك في الأرض كان بيعمل صرصرة تقبض القلب. لأ.. همست برعب، لأ.. لأ.. لأ...
أبويا لف لها ببطء مين اللي بعت الرسالة دي؟
هزت راسها بانهيار يا أخويا أبوس إيدك.. دول لسة مراقبنا.
هما مين؟
عينيها راحت ناحية الشباك للحظة.. اللحظة دي غيرت كل حاجة.
يحيى أخويا جرى على البلكونة وشال الستارة. وتحت، عند بوابة البيت الكبيرة، كانت واقفة عربية جيب سوداء، ومطفي نورها. الكرسي بتاع السواق كان فاضي، بس كان فيه حد جوه.. خيال بيتحرك. فجأة العربية دارت وطلعت تجري.
أمسكوهم! يحيى صرخ، واتنين من ولاد عمي نزلوا جري، بس عقبال ما وصلوا للحوش كانت العربية اختفت في شوارع القاهرة القديمة الزحمة.
أبويا كان لسة
بص للسكينة كأنه نسي إنها في إيده، وبعدين رماها. صوت رنتها على الرخام خلى كل الستات اللي في الأوضة يتفزعوا.
يا بابا، قلت وصوتي بيترعش، ريهام فين؟ وايه اللي حصل هنا؟
بص للسرير الفاضي، وللطرحة المقطوعة، وللأجندة السوداء اللي على الأرض، وغمض عينيه بوجع لما رفعت الطرحة عشان أكشف وشها.. شفت العلامة.
علامة إيه؟
همس بصوت مكسور وراء ودنها الشمال.. وحمة صغيرة على شكل هلال. أمكم الله يرحمها كانت بتبوسها كل يوم قبل ما تنام.
ركبي سابت، ويحيى سندني. يعني هي فعلاً أختنا؟
أبويا هز راسه بالموافقة، وبدأ يحكي كلمات كأنها بتطلع من قبر
قبل ما إنتي ويحيى تشرفوا، أمكم خلفت بنت. بكرية العيلة. الدكاترة قالوا إنها ماتت بعد يومين. أمكم عمرها ما خفت من الصدمة دي، كانت بتصحى بليل تصرخ وتقول أنا سامعة صوت عياط بنتي.. والكل كان بيقولها ده وهم من الحزن.. الكل كان بيضحك عليها ويقولوا إنها اتجننت.
بص لعمتي بثينة بعيون مجمّرة الكل يا بثينة.. حتى إنتي.
عمتي غطت وشها كنت صغيرة.. كنت خايفة.. مكنتش أعرف هما هيعملوا إيه.
أبويا قرب منها بتهديد كنتي عارفة إن الطفلة لسة عايشة؟
صرخت بعياط مش في الأول.. والله ما في الأول.
أمال إمتى؟
قعدت تتهز بجسمها تاني يوم العزا.. شفت أمك وهي بتسلم لفة لست غريبة عند الباب الوراني.. الطفلة كانت جوه اللفة.. وأنا سمعت صوت عياطها.
قلبي وقف.. تيته؟ همست برعب.
جدتي.. أم بابا.. الست اللي صورتها لسة متعلقة في الصالة وبنقرالها قران فى ذكرى وفاتها.. الست اللي ربونا على إنها ست شيخة وعمود البيت.
أبويا وشه بقى لونه أبيض زي الكفن أمي؟ أمي هي اللي عملت كدة؟
عمتي هزت راسها وهي بتشهق قالت إن البنت الأولى دي نحس.. قالت إن البنت لو عاشت وورثت، الأملاك والعز هيخرج بره العيلة.
أبويا ترنح لورا.. لأول مرة في حياتي مشفتهوش بابا، شفته زوج شاب اتسرق منه أغلى ما يملك وهو بيواسي مراته المكسورة.
أمي قتلت مراتي بالبطيء.. همس بذهول. ماتت وهي فاكرة بنتها تراب.
يحيى مسك الأجندة السوداء وإيده بتترعش يا بابا.. دي أجندة ريهام.
اتلمينا حواليه.. أول صفحة كان مكتوب فيها اسمها ريهام ناصر، وتحتها جملة توجع القلب لو وصلت له وأنا عايشة، هسأله ليه مدورش عليا؟
يحيى قلب الصفحات.. مذكرات، تواريخ، شظايا من حياة قاسية.
طفولة في ملجأ.. ست اسمها لوزة هي اللي ربتها.. رجل عجوز همس لها مرة إن عيلتها الحقيقية من القاهرة.. حتة قماش من لفة البيبي وعليها شعار عيلة ناصر مطرز في الركن.
وفي نص الأجندة، صفحة مكتوبة بالحبر الأحمر بثينة لقتني.. بكت قبل ما تقولي اسمي.
أبويا بص لعمتي إنتي لقتيها؟
هزت راسها وهي بتنتفض من تلات شهور.. جاتلي البيت ومعاها القماشة وخلخال قديم. قالت بتدور على ناصر ناصر. عرفتها من الوحمة.. من العينين.. من طريقتها وهي بتنطق اسمك. كنت عايزة أقولك يا أخويا، بس هما كلموني.
مين؟
بلعت ريقها بصعوبة نفس الناس اللي خطفوها دلوقتي.. أمك ماتت بس رجالتها لسة موجودين.. قالوا لي لو نطقت، ولاد يحيى هيتخطفوا من مدرستهم.. بعتوا صور وعناوين.. كانوا عارفين كل دبة نملة.
يحيى قبض على دراعي بقوة.. ولاده.. ولادنا.. حياتنا كلها كانت تحت المجهر.
أبويا صوته بقى هادي بشكل مرعب وليه تجيبوها هنا على إنها عروسة؟
عمتي بصت له بعيون محطمة كانت عايزة تشوفك.. كانت عارفة إنها لو جت وقالت أنا بنتك، هيخلصوا عليها قبل ما تدخل البيت.. لكن لو دخلت كعروسة، محدش هيشك فيها .
فجأة سمعنا دوشة تحت.. واحد من قرايبنا طلع بيجري يا حاج ناصر، البوليس بره ومعاهم محامي.
دخل ظابط
أبويا سأله إنت مين؟
الراجل رد أنا المحامي يوسف، كنت محامي الست لوزة اللي ربت ريهام.. قبل ما تموت سلمتني كل الأوراق وقالت لي دور على ناصر ناصر.
أبويا صرخ بنتي فين؟
المحامي ورّاه رسالة على موبايله بعتتها ريهام الساعة 843 بليل لو حصل لي حاجة جوه البيت، دوروا في الممر اللي ورا الدولاب.. هما عرفوا.
العساكر دخلوا الممر.. ريحة تراب وعفن. كشافات النور نورت الضلمة، وفجأة واحد صرخ يا فندم! فيه دم هنا!.
أبويا ركبه سابت، وسندناه.. لأ.. مش تاني.. مش هخسرها تاني.
بس الظابط طلع وهو شايل علبة صفيح مش جثة.
فتحوها.. كان فيها شهادة ميلاد ريهام الحقيقية، وصور ليها وهي بتكبر، وجواب مكتوب لأبويا
يا بابا.. لو مقدرتش أقولك ده في وشك.. أنا مكنتش زعلانة إنك ملقتنيش.. أنا كنت زعلانة إني عشت 35 سنة فاكرة إني مش مرغوب فيا.. أنا جيت النهاردة عشان أسألك سؤال واحد هي أمي كانت بتغني؟
أبويا انهار من العياط كانت بتغني كل يوم وهي بتعمل الشاي.. كانت بتغني ليكي وإنتي لسة في بطنها.
البوليس عرف إن اللي ساعد في الخطف هو رأفت ابن عم بابا، اللي كان ماسك صيانة البيت وهو اللي فتح الممر السري.
جرينا ورا الخيط لحد ما وصلنا لبيت مهجور على القناطر.
هناك، أبويا نسي سنه وجرى زي الشاب.. دخلنا ولقينا ريهام مربوطة في كرسي، وبوقها مكتوم، وإيديها بتنزف من أثر الغوايش المكسورة.
أبويا فك رباطها وخدها في حضنه.. مش حضن عريس، ده حضن أب بنته رجعت له من الموت بعد 35 سنة.
رأفت كان واقف وشه في الأرض، والبوليس بيقبض عليه.
ريهام بصت له وقالت كنت فاكره محدش هيصدقنى ؟!
ابويا عيط و خدها فى حضنه وقالها وانا كنت فاكر انى عمرى ما هلاقيكى أبدا
دلوقتى انتى فى حضنى ومفيش حاجه هتفرقك عنى
الفرح خلص.. بس رحلة تجميع العيلة لسة بتبدأ.