ترك عزاء والدي
المحتويات
كرار يستغل حاجتهما للمال منذ سنوات.
ثم وجدت تقريرًا طبيًا آخر.
وعندما قرأت السطر الأول
توقفت أنفاسي.
وجود آثار تسمم تدريجي داخل جسم الحاج عبد الزهرة قبل وفاته.
وضعت يدي فوق فمي فورًا.
لا
لا يمكن.
أبي لم يمت طبيعيًا.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
سمعت صوت خطوات خلفي مباشرة.
صوت بطيء.
هادئ.
ومخيف.
ثم جاءني صوته من الظلام
كنت أعرف أنكِ ستأتين إلى هنا يا زينب.
التفتُّ ببطء
فرأيته.
كرار.
كان يقف خلفي مباشرة.
وعيناه مثبتتان على الصندوق المفتوح بين يدي.
وعيناه مثبتتان على الصندوق المفتوح بين يدي.
شعرت بأن الدم انسحب من وجهي بالكامل.
لم أستطع الوقوف.
ولا الهرب.
ولا حتى الصراخ.
كان كرار يقف وسط الظلام بملامح باردة بشكل مرعب، بينما المطر الخفيف بدأ يتساقط فوق القبور من حولنا.
نظر إلى الأوراق المبعثرة
بجانبي
ثم قال بهدوء
إذًا وجدته أخيرًا.
ضممت الصندوق إلى صدري بسرعة وكأنه الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذني.
قلت بصوت مرتجف
ماذا يوجد فيه يا كرار؟ ماذا فعلت بأبي؟
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.
ثم اقترب خطوة أخرى.
أبوكِ كان يعرف أكثر مما يجب.
تراجعت للخلف فورًا.
لا تقترب مني.
لكنه لم يتوقف.
كان الرجل الذي معه يقف بعيدًا قرب السيارة يراقبنا بتوتر واضح، وكأنه بدأ يخاف مما يحدث.
أما كرار
فبدا هادئًا بشكل أخافني أكثر.
نظر إلى قبر أمي سكينة للحظات
ثم قال
الحاج عبد الزهرة لم يكن رجلًا بريئًا كما كنتِ تعتقدين.
صرخت فيه
لكنه لم يكن قاتلًا!
رفع حاجبه ببطء.
وهل قلتُ إنه لم يكن كذلك؟
تجمّدت في مكاني.
شعرت بأنفاسي تتقطع.
ثم أخرج هاتفه وأضاء شاشته أمامي.
كانت هناك صورة قديمة لأبي مع مجموعة رجال.
حقائب أموال.
وأوراق عقارات.
وتوقيعات.
قال بصوت منخفض
والدكِ دمّر حياة أبي ثم أكمل حياته وكأن شيئًا لم يحدث.
هززت رأسي بعنف.
أنت تكذب.
اقترب أكثر.
هل أخبركِ كيف مات أبي؟ هل أخبركِ لماذا كنا نعيش كالمتسوّلين بينما كان هو يبني القصور؟
صرخت وأنا أبكي
اخرس!
لكن صوتي خرج أضعف مما توقعت.
كانت عيناه تزدادان ظلمة مع كل كلمة.
ثم أشار إلى الصندوق.
أعطني إياه يا زينب ولن أؤذيكِ.
ضحكتُ بمرارة رغم رعبي.
لن تؤذيني؟ بعد كل هذا؟
مدّ يده نحوي ببطء.
أنتِ زوجتي.
لا تقلها!
ارتفع صوتي أخيرًا داخل المقبرة.
لا تقل
إنني زوجتك بعد الليلة!
لأول مرة
اختفت البرودة من وجهه.
وحلّ مكانها شيء أخطر.
الغضب.
اقترب بسرعة حتى أصبح أمامي مباشرة.
وقال بين أسنانه
لا ترفعي صوتكِ عليّ.
ارتجفت يداي بقوة.
هذا الوجه
لم أره من قبل.
طوال زواجنا كان هادئًا.
صامتًا.
باردًا.
لكنني لم أره غاضبًا هكذا أبدًا.
وفجأة جذب الصندوق بعنف من يدي.
صرخت وتمسكت به بكل قوتي.
فتناثرت الأوراق فوق التراب المبتل.
ورقة قرب قدمي.
أخرى فوق قبر أمي.
وثالثة التصقت بحذاء كرار.
انحنى الرجل الذي معه ليلتقطها
ثم توقف فجأة.
نظر إلى الورقة بصدمة.
وقال بصوت مرتبك
كرار ما هذا؟
خطفها منه بسرعة.
لكنني لمحت العنوان قبل أن يخفيها.
بلاغ رسمي مؤجل
رفع الرجل رأسه إليه بتوتر واضح.
قلتَ إن الموضوع مجرد أوراق ميراث!
لم يرد كرار.
وكان ذلك أسوأ رد ممكن.
تراجع الرجل خطوة للخلف.
أنت لم تقل إن الشرطة متورطة!
اقترب منه كرار ببطء.
اخفض صوتك.
لا لا، أنا لا أريد مشاكل جنائية!
ثم نظر الرجل إليّ وكأنه يراني لأول مرة.
هل هل والدها مات فعلًا بسبب
صرخ كرار فجأة
اخرس!
ارتدّ صوت صراخه بين القبور.
حتى أنا تجمدت في مكاني.
ثم التفت إليّ مجددًا.
وفي تلك اللحظة
عرفت الحقيقة.
كرار لم يأتِ ليستعيد الصندوق فقط.
بل ليتأكد أنني لن أخرج من المقبرة معه.
تراجعت خطوة للخلف وأنا أتنفس بسرعة.
لكنه أمسك معصمي بعنف لأول مرة منذ عرفته.
صرخت من الألم.
كانت قبضته قوية بشكل مرعب.
وقال بصوت منخفض
استمعي إليّ جيدًا كل شيء يمكن إصلاحه إذا أعطيتني الصندوق الآن.
حاولت سحب يدي.
لكنه شدّني نحوه أكثر.
أنت تؤلمني!
إذًا
عرفتها فورًا.
المحامية رنا الموسوي.
نظرت إليّ بسرعة.
ثم
قالت
زينب هل أنتِ بخير؟
لم أستطع الرد.
كنت أرتجف بالكامل.
اقترب أحد الضباط من كرار وقال بلهجة حادة
لا تتحرك.
لكن كرار رفع يديه ببطء وقال ببرود حاول أن يتمالك نفسه
أظن أن هناك سوء فهم.
ضحك أبو حسن بسخرية.
سوء فهم؟ بعد كل ما فعلته؟
نظر كرار إليه بغضب قاتل.
ثم قال
أنت مجرد حارس مقبرة لا تتدخل فيما لا يعنيك.
لكن رنا تقدمت خطوة وقالت بثبات
بل يعنيه كثيرًا لأنه الشاهد الوحيد الذي وثق
تغيّرت ملامح كرار فورًا.
أما أنا
فكنت ما أزال ممسكة بالهاتف والصندوق وكأنني أخشى أن يختفيا من يدي.
اقتربت مني رنا بهدوء.
أعطيني الصندوق يا زينب.
ترددت لثوانٍ.
ثم سلمته لها ببطء.
فتحته أمام الضباط.
وبدأت تُخرج الملفات واحدًا تلو الآخر.
عقود.
تنازلات.
تحويلات مالية.
أوراق موقعة.
ثم أخرجت التقرير الطبي.
وحين قرأ الضابط أول سطر فيه
رفع رأسه مباشرة نحو كرار.
آثار تسمم تدريجي؟
ساد الصمت.
حتى المطر بدا أهدأ للحظة.
قال كرار بسرعة
هذا لا يثبت شيئًا.
لكن رنا نظرت إليه بثبات.
بل يثبت بداية التحقيق.
ثم رفعت ملفًا آخر.
وهذه تسجيلات تحويلات مالية مرتبطة بحسابات وهمية استخدمتها لشراء حصص غالب ومهدي بطريقة غير قانونية.
صرخ كرار
لقد وقّعا بكامل إرادتهما!
ردّت رنا فورًا
بعد استغلال ديونهما وإخفاء حقيقة العقود عنهما.
ثم نظرت إليه باحتقار واضح.
كنت تظن أن الجميع أغبياء مثلك.
بدأ
التوتر يظهر على وجهه أكثر.
كان يحاول الحفاظ على هدوئه
لكنه كان ينهار تدريجيًا.
وفجأة صاح بي
قولي لهم الحقيقة يا زينب! قولي لهم إنني لم ألمسكِ!
شعرت بالغثيان من صوته.
كيف يستطيع
الحديث وكأنه الضحية؟
نظرت إليه أخيرًا.
ولأول مرة منذ بداية الليلة
لم أشعر بالخوف منه.
قلت بصوت مرتجف لكنه واضح
أبي كان محقًا بشأنك منذ البداية.
اتسعت عيناه.
أما أنا فأكملت
أنت لم تحبني يومًا.
ساد الصمت للحظات.
ثم ضحك ضحكة قصيرة باردة.
وقال
وماذا كان سيعطيني
شعرت بشيء ينكسر داخلي نهائيًا.
حتى آخر أمل صغير كان قد مات.
اقترب الضابط منه ليضع القيود في يديه.
لكن كرار تراجع فجأة بعنف.
ثم دفع الشرطي بقوة وركض.
صرخت دون وعي
كرار!
ركض بين القبور بسرعة
متابعة القراءة