ترك عزاء والدي
ترك عزاء والدي
ترك زوجي مجلس عزاء والدي بعد دفنه مباشرة، وسافر إلى دهوك مع المرأة التي يخونني معها
وفي الساعة الثالثة فجرًا وصلتني رسالة من رقم والدي المتوفى تقول
يا ابنتي تعالي إلى وادي السلام حالًا. وإياكِ أن تثقي بزوجك.
كنت ما أزال أرتدي العباءة السوداء التي دفنت بها أبي.
وكان تراب المقبرة ما يزال عالقًا أسفل حذائي.
ورائحة الكافور والمسك لم تفارق يدي.
أما زوجي
فكان يحتفل.
الحاج عبد الزهرة دُفن قبل ساعات فقط.
وكان الرجال ما يزالون يقرؤون الفاتحة عند باب المنزل.
وصيوان العزاء ممتلئًا بالمُعزّين.
وأصوات القرآن تتردد في أرجاء البيت.
لكن كرار لم ينتظر حتى ينتهي يوم الدفن.
وقف أمام الجميع بدور الزوج المكسور.
قبّل رأسي.
ووضع يده على كتفي كأنه أكثر شخص حزنًا في المكان.
وبعد أقل من ساعة
ركب سيارته السوداء واختفى.
قال لي قبل أن يغادر
لديّ عمل ضروري في دهوك.
ضروري.
وبعدها بنصف ساعة فقط
نشرت أطياف صورة من فندق فاخر.
عشاء.
ضحكات.
وأكواب عصير على الطاولة
ويد كرار ظاهرة فوق ساقها بوضوح.
كان أبي قد دُفن لتوّه في وادي السلام
بينما كان زوجي يحتفل بالفعل.
أرسلت إليه وأنا أرتجف
أحقًا تركتني وحدي في هذا اليوم؟
فأجاب بسرعة غريبة
لا تثيري الدراما يا زينب. والدكِ مات والحياة لا تتوقف.
قرأت رسالته وأنا جالسة في مطبخ منزلنا القديم.
المطبخ نفسه الذي علّمني فيه أبي إعداد الشاي الثقيل.
المكان نفسه الذي كان يجلس فيه بعد صلاة الفجر يقرأ القرآن بصوته
والمكان نفسه الذي قال لي فيه يومًا
يا ابنتي الرجل الذي يترككِ وقت انكساركِ، لا تبكي عليه. انظري فقط إلى حقيقته.
توفيت أمي سكينة منذ سنوات.
وأخواي غالب ومهدي لم يكونا بجانبي أصلًا.
كانا يتشاجران على الأراضي والمخازن وسيارة أبي القديمة.
حتى بعد الدفن
لم يتوقف حديثهما عن الميراث.
ولم يسألني أحد إن كنت قد تناولت طعامًا.
ولم ينتبه أحد أن عباءتي السوداء كانت مبللة بالعرق والدموع.
وكان المنزل كله يفوح برائحة القهوة المُرّة والبخور والورد الذابل.
وفي الساعة الثانية وتسعٍ وخمسين دقيقة فجرًا
أطفأت الأنوار أخيرًا.
ثم اهتز هاتفي.
نظرت إلى الشاشة
فتجمّد الدم في عروقي.
أبي
لم يكن رقمًا مجهولًا.
ولم يكن اتصالًا غريبًا.
بل رقم أبي نفسه.
الرقم الذي أطفأناه قبل دفنه
ووضعناه بجانبه داخل الكفن مع سبحته وخاتمه الفضي.
فتحت الرسالة وأصابعي ترتجف
يا ابنتي تعالي إلى وادي السلام حالًا. لا تخبري أحدًا. ادخلي من الباب الخلفي وإياكِ أن تثقي بكرار.
سقط الهاتف من يدي.
وأصبحت الغرفة صامتة بشكل مخيف.
حتى صوت المكيّف اختفى فجأة.
اتصلت بالرقم مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
وفي المرة الثالثة
أجاب أحدهم.
لكنني لم أسمع سوى صوت هواء خافت
كأن شخصًا يتنفس بصعوبة.
وضعت يدي فوق فمي حتى لا أصرخ.
ثم أخذت مفاتيحي بسرعة.
وارتديت عباءتي.
وأخذت مسبحة أمي من فوق الطاولة.
لم أتصل بغالب.
ولا مهدي.
ولا الشرطة.
أما كرار
فكان في سرير فندق مع أطياف.
بينما أبي
ميتًا كان أم لا
كان
قدت سيارتي والبرد ينهش أطرافي.
الشوارع كانت فارغة.
باردة.
وصامتة بشكل مرعب.
وفي كل إشارة مرور
كنت أشعر أن أحدًا يجلس خلفي.
وصلت إلى وادي السلام قرابة الثالثة والنصف فجرًا.
كان الباب الأمامي مغلقًا.
لكن الباب الخلفي
كان مفتوحًا قليلًا.
تمامًا كما قالت الرسالة.
دخلت ببطء.
فضربتني رائحة التراب الرطب والكافور بقوة.
كانت القبور ساكنة.
والريح تحرّك الأعلام السوداء المعلّقة بعيدًا.
وفجأة
اهتز هاتفي مرة أخرى.
اذهبي إلى قبر أمكِ ولا تلتفتي.
ضعفت ركبتاي.
لكنني تابعت السير.
مررت بقبور قديمة.
وشموع مطفأة.
وصور موتى غطّاها الغبار.
حتى وصلت إلى قبر أمي.
وهناك
رأيت شيئًا جعل قلبي يتوقف.
سيارة كرار كانت متوقفة قرب السور الخلفي للمقبرة.
رغم أنه من المفترض أن يكون في دهوك.
اختبأت بسرعة خلف أحد القبور.
ورأيته.
كان يقف مع رجل يحمل أدوات حفر.
وسمعته يقول بصوت منخفض
يجب أن نجد الصندوق قبل أن تصل زينب.
تجمّد الدم في عروقي.
أي صندوق؟
اما الذي كان يخفيه والد زينب داخل ذلك الصندوق؟
ولماذا عاد كرار إلى المقبرة منتصف الليل قبل أن تصل هي بلحظات؟
صلي على حبيب الله
أي صندوق؟
ولماذا عاد إلى المقبرة بعد دفن أبي بساعات؟
ثم سمعت الرجل الذي معه يسأله بتوتر
وماذا لو كانت قد أخبرت أحدًا؟
فردّ كرار ببرود أخافني أكثر من الظلام نفسه
زينب لا تفعل شيئًا دون أن تبكي أولًا لدينا وقت.
كدت أخرج من مكاني وأصرخ في وجهه.
لكن هاتفي اهتز مرة أخرى.
رسالة
لا تظهري نفسكِ المفتاح تحت الحجر الأيسر.
نظرت إلى قبر أمي سكينة.
كان هناك حجر صغير مائل قرب شاهد القبر.
اقتربت ببطء وأنا أرتجف.
ثم رفعت الحجر بيدي المرتعشتين
فوجدت مفتاحًا صدئًا صغيرًا ملفوفًا بقطعة قماش قديمة.
وأسفله مباشرة
بابًا حديديًا صغيرًا مخفيًا داخل تجويف ضيق.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
التفتُّ حولي بسرعة.
كرار والرجل الذي معه كانا ما يزالان في الجهة الأخرى من المقبرة، يبحثان وسط الظلام.
أدخلت المفتاح داخل القفل.
وفي اللحظة التي فتحته فيها
صدر صوت معدني خافت.
ثم انفتح التجويف ببطء.
وفي الداخل
وجدت صندوقًا حديديًا قديمًا.
وفوقه ظرف أصفر كُتب عليه بخط أبي
إلى زينب إذا كنتِ تقرئين هذا، فاعلمي أنني كنت محقًا.
شعرت بدموعي تسقط فورًا.
جلست على الأرض أمام قبر أمي وأنا أرتجف بالكامل.
فتحت الظرف بسرعة.
وفي داخله صورة قديمة.
أبي
وكرار.
لكن الصورة لم تكن حديثة.
بل كانت قديمة جدًا.
كرار بدا فيها مراهقًا نحيفًا يرتدي زيّ مدرسة.
وكان يقف بجوار أبي الذي وضع يده على كتفه.
وكأنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات طويلة.
قلبت
الصورة ببطء
فوجدت جملة كتبها أبي بخط يده
سامحيني يا ابنتي لقد سمحتُ لهذا الرجل بالاقتراب منكِ حتى أراقبه بنفسي.
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.
أبي كان يعرف.
كان يعرف كل شيء منذ البداية.
فتحت الصندوق بسرعة.
فوجدت داخله
ملفات.
عقود بيع.
أوراق تنازل.
تحويلات مالية.
وتسجيلات صوتية محفوظة داخل هاتف قديم.
ثم وجدت ملفًا كُتب
كرار الأدلة الكاملة.
فتحت الملف بسرعة.
وكانت الصدمة الأولى
أسماء إخوتي.
غالب.
ومهدي.
كلاهما وقّع أوراق تنازل عن حصته من أملاك أبي.
لكن التوقيعات كانت تمت تحت ضغط الديون.
وكان