زميلتي في العمل تُحضر لي كليجة عراقية كل يوم، وأنا أعطيهم سرًّا لقطٍّ شارد خلف المبنى. وبعد شهرٍ واحد، طوّقت الشرطة الشارع فجأة.

لمحة نيوز

ترددت للحظة.

ثم قلت:
“من زميلتي… أمينة.”

تبادل الضابطان نظرة سريعة.

ثم دفع الرجل نحوي كيسًا شفافًا بداخله علبة كليجة مشابهة تمامًا لتلك التي كانت أمينة تُحضرها لي.

وقال:
“الأكياس المدفونة احتوت على بقايا حيوانات صغيرة ملفوفة بنفس نوع الورق الموجود داخل هذه العلبة.”

شعرت بقلبي يهبط بعنف.

همست:
“لكنني لم أدفن شيئًا…”

قال بهدوء:
“نعرف ذلك. الكاميرات لم تُظهر أنكِ تدفنين أي شيء، ولهذا أنتِ شاهدة فقط.”

ثم أضاف:
“لكن الشخص الذي فعل ذلك اختار أماكن تمرّين بها يوميًا.”

خرجت من الشركة تلك الليلة وأنا أشعر أن العالم لم يعد مألوفًا.

وحين وصلت إلى المنزل، حكيت كل شيء لزوجي، سيف.

توقعت أن يقلق.

أن يهدئني.

لكنه بقي ينظر إلى التلفاز ببرود وقال:
“ربما شخص مختل.”

استغربت ردّه.

خصوصًا أنه بدا متوترًا كلما ذكرت اسم أمينة.

وفي تلك الليلة، لم أستطع النوم.

فتحت هاتفي وبدأت أراجع رسائل أمينة.

كل يوم

تقريبًا:
“لا تنسي فطورك.”
“الكليجة على مكتبك.”
“كلي قبل أن تبرد.”

وكأنها كانت تتأكد من شيء.

فجأة تذكرت العلبة التي أخفيتها قبل أيام داخل المجمّد.

كنت قد احتفظت بها لأن طعم الكليجة يومها بدا غريبًا.

ذهبت إلى المطبخ وأخرجتها.

كانت باردة وقاسية بين يديّ.

وحين فتحت الغطاء…

خرجت تلك الرائحة مجددًا.

لكن هذه المرة…

عرفتها فورًا.

كانت الرائحة نفسها العالقة دائمًا في ملابس أمينة وعطرها.

في تلك اللحظة، شعرت بأن شيئًا باردًا يهبط داخل صدري.

وكأن كل التفاصيل التي تجاهلتها بدأت تتجمع فجأة بصورة مرعبة.

نظراتها.

إصرارها أن آكل.

اختفاء القط.

الرائحة.

طريقة القط في شم الطعام كل مرة.

لم أنم حتى الصباح.

وبعد يومين، عدت إلى الشركة.

لكن مكتب أمينة كان فارغًا.

سألت إحدى الموظفات عنها، فترددت قبل أن تقول:
“الشرطة أخذتها أمس.”

شعرت بأن الأرض تميد بي.

وفي اللحظة نفسها، رنّ هاتفي.

كان الضابط.

“نحتاج

حضوركِ مرة أخرى.”

في مركز الشرطة، جلس الضابط أمامي بصمت طويل.

ثم قال:
“زميلتكِ اعترفت بكل شيء.”

شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.

فتح الملف أمامه وأخرج صورًا.

أكياس مدفونة.

عظام حيوانات صغيرة.

أوراق ملفوفة بخيوط سوداء.

ثم قال:
“وجدنا في شقتها دفاتر ورسائل بينها وبين رجل يدّعي العلاج بالأعمال والطقوس.”

همست بصعوبة:
“لكن… لماذا؟”

رفع نظره نحوي وقال:
“لأن زوجكِ كان خطيبها قبل سنوات.”

توقفت أنفاسي.

“ماذا؟”

“اعترفت أنه تركها فجأة وتزوجكِ بعدها.”

شعرت بالغثيان.

بدأت أتذكر كيف كان سيف يتهرب دائمًا من الحديث عن علاقاته القديمة.

ثم أكمل الضابط:
“قالت إن ذلك الرجل أوهمها بأن إدخال الطعام إلى بيتكِ باستمرار، مع دفن بقايا الحيوانات في الأماكن التي تمرّين بها، سيجلب لكِ الأذى ويخرب حياتكِ.”

أغمضت عيني بقوة.

ثم همست:
“والقط؟”

صمت للحظة قبل أن يقول:
“وجدناه خلف المبنى.”

شعرت بشيء ينكسر داخلي.

ثم أكمل:
“الطبيب البيطري أكد وجود لحم فاسد ومواد غريبة داخل معدته.”

في تلك اللحظة فقط…

فهمت.

ذلك القط الصغير كان يأكل الطعام بدلي كل يوم.

وربما القطع القليلة التي أكلتها أنا أيضًا كانت سبب الصداع والإرهاق اللذين لازماني طوال الأسابيع الماضية.

عدت إلى المنزل وواجهت سيف بالحقيقة.

في البداية أنكر.

ثم جلس أخيرًا بصمت طويل وقال:
“كنت مخطوبًا لها فعلًا… لكنها اختفت من حياتي منذ سنوات. لم أتخيل أبدًا أنها قد تصل إلى هذا الحد.”

لم أبكِ.

لم أصرخ.

كنت أشعر فقط بفراغ هائل داخلي.

ومنذ تلك الحادثة…

لم أعد كما كنت.

صرت أخاف من أي طعام لا أعدّه بنفسي.

أستيقظ أحيانًا في منتصف الليل فقط لأتفقد المطبخ.

وأحيانًا أشم تلك الرائحة نفسها فجأة، فأشعر بأن قلبي يتجمد للحظة.

وفي النهاية، أخذتني أمي إلى شيخ يقرأ الرقية.

قرأ القرآن طويلًا داخل البيت.

ثم قال بهدوء:
“ليس كل أذى يظهر للإنسان منذ البداية.”

ومنذ

ذلك اليوم…

لم تعد سورة البقرة تنقطع من البيت.

أما أنا…

فحتى اليوم، كلما رأيت قطًا شاردًا في الشارع…

أتذكر ذلك القط الرمادي الصغير الذي مات بصمت، بينما كان — دون أن يفهم — يحميني كل يوم.

تم نسخ الرابط