زميلتي في العمل تُحضر لي كليجة عراقية كل يوم، وأنا أعطيهم سرًّا لقطٍّ شارد خلف المبنى. وبعد شهرٍ واحد، طوّقت الشرطة الشارع فجأة.
أنا اسمي ليلى، أبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، وأعمل منذ خمس سنوات في شركة استيراد صغيرة وسط المدينة.
حياتي كانت هادئة إلى حدٍّ ممل أحيانًا… نفس الطريق كل صباح، نفس المكتب، نفس الوجوه، ونفس كوب القهوة الذي أبدأ به يومي.
إلى أن جاءت أمينة.
وصلت إلى الشركة قبل ثلاثة أشهر فقط، فتاة عراقية هادئة، ملامحها ناعمة وصوتها منخفض، بالكاد تشارك في أحاديث الموظفين، لكنها كانت دائمًا تبتسم لي أنا تحديدًا.
في البداية ظننت أن الأمر مجرد ارتياح عابر.
ثم، بعد أسبوع من تعارفنا، بدأت تُحضر لي كليجة عراقية كل صباح.
علبة صغيرة مرتبة بعناية، تفوح منها رائحة السمن والهيل.
كانت تضعها فوق مكتبي وتقول بابتسامتها الهادئة نفسها:
“أمي أعدّتها فجر اليوم.”
كنت أشكرها دائمًا رغم أنني أصلًا لا أحب الحلويات الثقيلة.
وفي أول يوم، بعدما انشغلت بالعمل، حملت العلبة ونزلت إلى الدرج الخلفي للمبنى، حيث يعيش قط شارد رمادي نحيل اعتدت رؤيته قرب صناديق القمامة.
اقتربت منه بحذر
هرب في البداية.
لكن الجوع غلب خوفه، فعاد ببطء وبدأ يأكل.
ومنذ ذلك اليوم… أصبحت تلك عادتنا اليومية.
أمينة تُحضر الكليجة لي.
وأنا أُطعمها للقط.
ومع مرور الأيام، صار القط ينتظرني كل صباح.
أحيانًا كان يخرج من تحت السيارات بمجرد أن يراني، يركض نحوي بخفة ويرفع ذيله وكأنه يعرف أنني أحمل له الطعام.
وكنت أضحك وحدي أحيانًا وأنا أراقبه يلتهم الكليجة بشراهة.
لكن شيئًا صغيرًا كان يزعجني دائمًا…
رائحة غريبة.
خفيفة جدًا.
تخرج من العلبة لحظة فتحها ثم تختفي بسرعة.
ليست رائحة عفن… ولا توابل.
شيء غريب لم أستطع تحديده.
حتى القط نفسه، قبل أن يأكل، كان يشم الطعام طويلًا وكأنه متردد.
لكني تجاهلت الأمر.
كنت أقول لنفسي إنني أتوهم فقط.
وخلال الأسابيع التالية، بدأت ألاحظ أمورًا أخرى.
أمينة لم تكن تُحضر الطعام لأحد غيري.
وكانت تسألني يوميًا تقريبًا:
“أكلتِ الكليجة كلها؟”
وأحيانًا تنظر نحوي طويلًا قبل أن تسأل:
“أنتِ بخير اليوم؟”
حتى
“هذه البنت… قريبة لكِ؟”
استغربت السؤال وقلت:
“لا، مجرد زميلة.”
ظلت تنظر إلى مكتب أمينة لثوانٍ، ثم تمتمت:
“غريب…”
وسكتت.
لا أعرف لماذا، لكن كلامها ترك انقباضًا صغيرًا داخلي.
ثم بدأ القط يتغير.
لم يعد يركض نحوي بالحماس نفسه.
صار يقترب ببطء.
يشم الطعام طويلًا.
وأحيانًا يتراجع قبل أن يبدأ بالأكل.
وفي آخر مرة رأيته فيها…
كان يبدو مرهقًا جدًا.
عيناه نصف مغمضتين، وحركته بطيئة بشكل غريب.
شعرت وقتها بالخوف عليه، لكنني أقنعت نفسي بأنه مجرد قط شارد مريض.
حتى جاء صباح الثلاثاء.
نزلت كعادتي إلى الخلف حاملة العلبة.
ناديت عليه.
انتظرت.
لكن القط لم يظهر.
تركت الطعام ومكثت دقائق طويلة أراقب المكان الفارغ، قبل أن أعود إلى مكتبي بانقباض ثقيل في صدري.
وحين رفعت رأسي…
وجدت أمينة تراقبني.
ولأول مرة، لم تبتسم.
في الظهيرة، سمعنا صراخًا في الشارع.
تجمّع الموظفون عند النوافذ.
عامل بلدية كان يحفر قرب الجزيرة الوسطية أمام المبنى، ثم فجأة أسقط المجرفة وابتعد وهو يضع يده فوق أنفه.
بعد أقل من نصف ساعة، وصلت الشرطة.
أُغلق المكان بالشريط الأصفر.
وبدأ الموظفون يتهامسون:
“وجدوا أكياسًا مدفونة.”
“يقولون إنها بقايا حيوانات.”
“الرائحة كانت لا تُحتمل.”
“حتى النباتات ماتت حول المكان.”
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
لأن الشجيرات هناك فعلًا كانت قد اسودّت مؤخرًا بطريقة غريبة.
ثم حدث ما جمّد الدم في عروقي.
أشارت أم سجاد نحوي وهي تتحدث مع أحد رجال الشرطة وقالت:
“هذه البنت كانت تنزل يوميًا إلى الخلف ومعها أكياس أو علب… لكنني لم أرها تدفن شيئًا.”
ساد الصمت.
ثم ارتفعت الأنظار نحوي ببطء.
وبعد ساعة…
جاءت الشرطة لأخذي إلى غرفة الاجتماعات.
جلس أمامي ضابط وامرأة محجبة بملامح صارمة.
قال الرجل بهدوء:
“لا تقلقي، نريد فقط بعض المعلومات.”
ثم فتح ملفًا وقال:
“الكاميرات أظهرت أنكِ كنتِ تذهبين يوميًا تقريبًا
بدأ العرق يتجمع في كفيّ.
“ماذا كنتِ تفعلين هناك؟”
قلت بصوت مرتجف:
“أُطعم قطًا شاردًا.”
“ومن أين كنتِ تحصلين على الطعام؟”