عاد رجل إلى قريته الصغيرة قرب مدينة أم درمان، يحمل حقيبةً قديمة، وجلبابًا باهت اللون، وحذاءً أنهكه السفر الطويل
المحتويات
تنهدت هنادي قائلة
الحمد لله أنه لم يفتعل مشاكل.
ولم يلتفت عبد الرحمن خلفه.
فقط واصل السير في الحارة الترابية بصمت
وكأن شيئًا ثقيلًا انكسر داخله إلى الأبد.
ثم رفع عينيه إلى السماء بصمت.
وفي تلك اللحظة
أدرك أن الغربة الحقيقية لم تكن في الخليج.
بل داخل هذا البيت.
كان يحمل داخل جيبه ثلاثة أشياء فقط
عقد ملكية البيت والأرض باسم والدته.
وتوكيلًا قديمًا وقّعه والده قبل وفاته.
وفي تلك الليلة، لم ينم.
جلس قرب المسجد القديم حتى أذان الفجر، بينما البرد يلف جسده والغضب يشتعل داخله ببطء.
وفي الصباح، كان أول ما فعله أن ذهب إلى السجل العقاري ليستخرج أوراق الأرض.
وهناك
اكتشف الصدمة.
مصعب بدأ بالفعل إجراءات نقل ملكية الأرض باسمه قبل أسابيع، مستغلًا مرض والدته وضعفها.
حينها فقط
فهم كل شيء.
ذهب مباشرة إلى مكتب محامٍ.
ثم قدّم بلاغًا رسميًا يتهم فيه أخاه بمحاولة الاستيلاء على ممتلكات والدته والتصرف فيها دون موافقتها الكاملة.
وفي المرة الثانية التي عاد فيها إلى المنزل لم يكن وحده هذه المرة
وصل برفقة محامٍ، واثنين من أفراد الشرطة، ورجلٍ من الإدارة المحلية يشهد على الإجراءات.
فتح مصعب الباب بعصبية وقال
ماذا يحدث الآن؟
أخرج عبد الرحمن الظرف أخيرًا.
فتحول وجه هنادي إلى الشحوب فور أن رأت الأختام الرسمية.
أما والدته
فخرجت ترتجف من آخر الممر.
حاول مصعب أن يضحك قائلًا
ما هذه الأوراق؟
تقدم المحامي خطوة إلى الأمام وقال بهدوء
يا أستاذ مصعب هناك بلاغ رسمي يتعلق بمحاولة الاستيلاء على ممتلكات والدتك، إضافةً إلى وجود مستندات تثبت أن الأرض والمنزل لا يحق التصرف فيهما دون موافقتها.
اختفت ابتسامته فورًا.
ونظرت الأم إلى عبد الرحمن طويلًا
ثم انفجرت بالبكاء.
وقالت بصوتٍ مرتجف جعل الدم يتجمّد في عروقه
يا بني أخوك لم يسرق البيت فقط
الجزء الثاني
يا بني أخوك لم يسرق البيت فقط
ثم اڼفجرت بالبكاء وهي تضغط على صدرها المرتجف
بل كان يخفي عني رسائلك ويُخبرني أنك نسيتنا، ويخفي عنك رسائلي كلما كتبت إليك طوال تلك السنوات.
في تلك اللحظة
شعر عبد الرحمن وكأن السنوات السبع عشرة كلها اڼهارت فوق صدره دفعةً واحدة.
كانت تبكي بحرقةٍ حقيقية، ليست دموع امرأة خاڤت من الشرطة أو من الڤضيحة
بل دموع أمّ اكتشفت متأخرة أنها خسړت ابنين معًا.
واحدٌ سرق.
وآخر عاش وحيدًا يظن أن أمّه تخلّت عنه.
أما مصعب
فوقف صامتًا.
لأول مرة منذ سنوات طويلة، بدا عاجزًا عن الكلام.
قال عبد الرحمن بصوتٍ منخفض
يعني كل الرسائل التي كنت أرسلها؟
خفضت الأم رأسها وهي تبكي
كان يقول
إنك مشغول وإنك لم تعد تريد الكلام معنا وأنا كنت أكتب لك، والله كنت أكتب لكنه كان يأخذ الرسائل ويقول إنه سيرسلها مع أحد المسافرين.
نظر عبد الرحمن إلى أخيه طويلًا.
ثم سأل
لماذا؟
تحرك مصعب بعصبية وقال
لأنني
ضحك عبد الرحمن بمرارة
وحدك؟
وأشار بيده إلى المجلس الواسع والسيارة الجديدة والأثاث الفخم.
هذا كله من تعبك وحدك؟
ارتفع صوت مصعب لأول مرة
نعم! لأنني كنت هنا! أنا الذي تحملت مرض أمي، ومشاكل البيت، والديون، والناس، والجنازات، والأفراح، وكل شيء! أما أنت فكنت ترسل المال آخر الشهر وتنتهي مهمتك!
ساد صمت ثقيل.
حتى الشرطيان تبادلا النظرات بصمت.
لأن
جزءًا مما قاله مصعب كان حقيقيًا.
الغربة تتعب صاحبها
لكن البقاء وسط العائلة ليس سهلًا أيضًا.
قال عبد الرحمن بهدوء موجع
وهل كان هذا يعطيك الحق لتسرق أمي؟
صړخ مصعب
لم أسرقها!
ثم أشار بعصبية إلى الجدران
هذا البيت كان سينهار لولا المال الذي أديره! الأرض كانت ستضيع! الناس هنا تأكل الضعيف يا عبد الرحمن، وأنا تعبت حتى بقي اسم أبينا محترمًا!
اقترب عبد الرحمن خطوة.
وقال لأول مرة بصوتٍ قاسٍ
كنت تستطيع أن تقول إنك تعبت لا أن تجعلني غريبًا عن أمي.
هنا فقط
انكسرت نظرة مصعب.
ولأول مرة، خفض عينيه.
أما الأم فجلست تبكي وهي تردد
ضيعتكم بيدي ضيعتكم بيدي
تنهد المحامي وقال بهدوء
يا جماعة، المشكلة الآن ليست
الكلام هناك إجراءات رسمية بدأت بالفعل، ومحاولة نقل الملكية موجودة في السجل.
ثم الټفت إلى عبد الرحمن
هل تريد إكمال البلاغ؟
نظر عبد الرحمن إلى أخيه طويلًا.
ثم قال
نعم.
شهقت هنادي فورًا.
وقالت
يا عبد الرحمن، هذا أخوك!
فردّ عليها دون أن ينظر إليها
وأنا أيضًا ابن هذا البيت.
في مساء ذلك اليوم
انتشر الخبر في الحارة كلها.
عبد الرحمن رفع قضية على أخيه.
وفي القرى القريبة من أم درمان، لا تبقى الأسرار داخل البيوت طويلًا.
أصبح الناس يتحدثون في السوق، وفي المسجد، وحتى بعد الصلاة.
بعضهم قال إن عبد الرحمن ظُلم.
وبعضهم رأى أن مصعب أخطأ لكنه ابن البيت الكبير وكان يحاول حماية العائلة بطريقته.
لكن
الجميع اتفقوا على شيء واحد
لو وصلت القضية إلى المحكمة
فالعائلة كلها
ستنكسر.
ولهذا، وبعد يومين فقط، حضر إلى عبد الرحمن رجلٌ مسنّ اسمه الحاج عثمان، كان صديقًا قديمًا لوالده.
جلس بجواره بعد صلاة المغرب قرب المسجد.
وقال بهدوء
يا ولدي قبل المحكمة، هناك رجال يريدون جمع الشمل.
ظل عبد الرحمن صامتًا.
فأكمل الحاج عثمان
والدك لو كان حيًا، لما رضي أن ينام ابناه وبينهما شرطة ومحاكم.
رد عبد الرحمن بمرارة
وأبي أيضًا ما كان سيرضى أن يُسرق تعب عمره.
هز الرجل رأسه بتفهم.
ثم قال
صحيح. ولذلك لا أحد يقول إنك مخطئ. لكن في أم درمان، قبل أن يذهب الناس للقاضي يذهبون أولًا لأهل الحكمة.
رفع عبد الرحمن عينيه إليه.
فسأله الحاج عثمان مباشرة
هل تريد حقك أم تريد كسر أخيك؟
صمت طويلًا
قبل أن يجيب
أريد أن يعرفوا أنني لست ضعيفًا.
ابتسم الرجل العجوز ابتسامة صغيرة.
وقال
إذن تعال إلى المجلس
وفي الليلة التالية
امتلأ بيت الحاج عثمان بالرجال.
سجاد أحمر قديم يغطي الأرض.
أباريق الشاي والقهوة السودانية تدور
متابعة القراءة