عندما ظنّ خطيبي أنني غبية لا أفهم العربية

لمحة نيوز

فكان يضيف تعليقا هنا وهناك
ضاحكا معهم وكأنى

غير موجودلا.
في تلك الليلة عدت إلى البيت وأنا أشعر بمزيج غريب من الغضب والفضول. كان بإمكاني أن أنفجر أن أواجهه أن أقطع العلاقة. لكن جزءا ما في عقلي قال بهدوء 
لا تتصرفي الآن. شاهدي. اسمعي. اجمعي.
في اليوم التالي جلست مع والدي ومع James Chen في غرفة اجتماعات صغيرة وأخبرتهما بكل شيء بالعربية والإنجليزية حرفا بحرف. جلس James صامتا للحظات ثم قال بثبات 
إذن هم يظنون أنك لا تفهمين كلمة ممتاز.
ومن هنا بدأت الخطة تتشكل.
قلادة أهداها لي طارق بمناسبة مرور ستة أشهر على علاقتنا أرسلناها إلى فريق الأمن ليتم تعديلها بدقة إضافة ميكروفون صغير ومسجل يصعب اكتشافه. قرطاني المفضلان تم تزويدهما بتقنية تستطيع التقاط أصوات محيطة من مسافة ليست قصيرة. لم تكن تلك ألعابا سينمائية بل أدوات حقيقية في عالم الأعمال تستخدم عادة في قضايا حساسة لكن هذه المرة كانت جزءا من خطبة.
منذ ذلك اليوم لم يعد أي عشاء مع عائلة المنصور مجرد لقاء اجتماعي. كل مرة أجلس بينهم كانت جلسة استماع سرية. كل كلمة يقولونها بالعربية كانت تلتقطها أجهزتي ترسل لاحقا إلى فريق متكامل من المترجمين والمحللين في شركة والدي. لم يكونوا يدرون أن الفتاة الأجنبية الغبية هي بوابة فضيحتهم.
ومع الوقت اتضح أن الموضوع لم يكن إهانات عائلية فقط. الأمر تعدى ذلك بكثير. طارق لم يكن يبحث عن زوجة بل عن جسر. كان يستخدم علاقتنا للوصول إلى قلب شركة والدي يسألني عن نوعية العملاء عن حجم العقود عن أساليب التفاوض عن الدول التي نستهدفها لاحقا. كان مهتما بشكل خاص بمشروعات تتعلق بالخليج وبالأخص الإمارات السعودية قطر.
كنت حذرة. لا أقدم معلومات حقيقية
وحساسة أبدا. أحيانا أكلمه
عن مشاريع وهمية في دول أخرى أو أغير تفاصيل أساسية وأراقب أين ستظهر تلك المعلومات لاحقا. حتى جاء اليوم الذي اكتشفت فيه شيئا خطيرا.
في إحدى الليالي وبينما ترك حاسوبه المحمول مفتوحا في شقتي لينزل إلى السيارة لجلب شيء نسيه لم أقاوم فضولي. ألقيت نظرة سريعة على بريده الإلكتروني وبحثت بالعربية عن كلمات مفتاحية Martinez Qatar Blackstone proposal. ما ظهر أمامي في تلك الدقائق القليلة كان كافيا لهز عالمي.
رسائل بينه وبين شركة منافسة لنا Blackstone Consulting Group. رسائل فيها كلمات صريحة عن استغلال الخطبة الحصول على قوائم العملاء تفاصيل العروض خطة للاستحواذ على عقودنا. كان يتحدث عني كوسيلة عن والدي كهدف وعن علاقتنا كصفقة ذكية.
لكن الأخطر من هذا أن هناك تفاصيل دقيقة عن مشروع سري للغاية كنا نعد له في قطر مشروع لم أذكره له يوما. كنت قد تطرقت أمامه أكثر من مرة إلى مشروع مزيف في الكويت لأختبره وفعلا ظهرت تلك التفاصيل المزيفة في رسائل أخرى. أما معلومات قطر فكانت حقيقية ولم تخرج مني إطلاقا.
هذا يعني شيئا واحدا هناك خائن آخر من داخل شركتنا.
في تلك الليلة أرسلت كل ما وجدته إلى James مشفرا. اتصل بي بعد ساعة تقريبا وقال بصوت فيه توتر خفيف لكنه تماسك بسرعة 
والدك كان يشك بالفعل أن هناك شخصا يسرب معلومات. الآن أصبح لدينا اتجاه واضح. سنبحث في دائرة ضيقة من المسؤولين الذين لديهم وصول إلى ملفات قطر. سنحصرهم ثم نبدأ التحقيقات.
بعد أسبوع من المتابعة والتتبع والتحليل اتصل بي James وقال 
نسبة 90 أنه Richard Torres.
وقعت الكلمة على قلبي بثقل. ريتشارد الرجل الذي كان بمثابة مرشد لي في دبي الذي علمني الفروق
الدقيقة في
ثقافة التفاوض هناك الذي كان يوجهني في بداياتي لم أستطع تصديق الأمر في البداية. لكن الأرقام لا تكذب. التحويلات البنكية لا تكذب. سجلات الدخول والخروج من البريد الإلكتروني لا تكذب.
ومع تزايد الأدلة قرر والدي أن يواجهه صباح اليوم الذي سبق اجتماع طارق مع الشيخ عبد الله.
في المكتب جلست أراقب ريتشارد يدخل مبتسما وهو يظن أن الحديث عن عقد سنغافورة كما قيل له. لكن ابتسامته ذابت حين رأى الأوراق أمامه تحويلات مالية شهرية من شركات وهمية مرتبطة ب Mansour Holdings رسائل إلكترونية سرب فيها عروضا وعقودا وتقارير استراتيجية جداول توضح تطابق مواعيد تلك التحويلات مع تواريخ عروض خسرناها بشكل غريب.
حاول أن يبرر. تحدث عن ديون عن مرض ابنته عن ضغط نفسي عن طارق الذي استغل ضعفه ووعده بإنقاذه. قال إنه لم يكن يقصد أن يصل الأمر إلى هنا
أمامه خياران إما أن يعترف يستقيل يوقع على أوراق تمنعه من العمل في المجال نفسه مجددا ويتعاون معنا قانونيا وإما أن نفتح باب المحاكم الجنائية ونتركه يواجه مصيره خلف القضبان. اختار الأول. خرج من الشركة مطأطئ الرأس لا يحمل معه سوى حقيبة صغيرة وبعض الصور القديمة.
حين أغلق الباب خلفه شعرت بغصة. لم يكن انتصارا كاملا ولا شفقة كاملة. كان شيئا بينهما. لكن لم يكن هناك وقت للغرق في هذا الشعور. أمامنا معركة أكبر.
اجتماع طارق مع الشيخ عبد الله.
منذ أن عرفنا عبر اتصالاتنا أن طارق رتب لقاء مع الشيخ ومستثمرين قطريين لتقديم عرض مبني على معلومات مسروقة من شركتنا كان واضحا أن هذه هي اللحظة المثالية للإمساك به متلبسا. تواصل والدي مع الشيخ الذي بدوره شعر بالإهانة من مجرد فكرة أن يستخدم اسمه في لعبة قذرة كهذه. وافق
على
التعاون بل وأصر على أن تكون المواجهة علنية أمام ممثلين من وزارة التجارة.
في صباح يوم الاجتماع حين استيقظت شعرت بثقل غريب في صدري. ليس خوفا. بل إدراكا أن هذا اليوم سيقطع خيطا كبيرا في حياتي إلى نصفين ما قبله وما بعده.
ارتديت بدلة كحلية أنيقة وقميصا حريريا بيج وربطت شعري للخلف وأعدت وضع القلادة والأقراط المزودة بالتقنية. لم تكن تلك المرة الأولى التي أضعها فيها لكن هذه المرة مختلفة. هذه المرة لن يكون التسجيل للتوثيق فقط بل سيكون جزءا من لوحة كاملة يرسم فيها كل لاعب دوره بوضوح.
في الطريق إلى الفندق كان طارق يتصرف وكأنه بطل فيلم يقترب من نهايته السعيدة. قال لي بابتسامة وهو يقود 
اليوم مهم جدا. لو مشي كل شيء بطريقتي حياتنا كلها راح تتغير. شركتنا هتكبر ومشاريعنا هتنتشر وحنكون أقوى من شركات كثيرة حتى من شركتكم.
ضحكت ضحكة لطيفة وأملت رأسي بخفة كمن لا يفهم حجم ما يقال. سألته بنبرة ساذجة 
تقصد شركتنا أنا وأنت
قال بثقة 
أكيد. حياتنا مشاريعنا مستقبل أولادنا. كل شيء.
كان يظن أنه يتحكم في مسار اللعب. لم يفهم أنه هو نفسه أصبح قطعة على رقعة شطرنج رسمناها نحن.
عند باب قاعة الاجتماعات حين فتحت الأبواب ودخل وتجمدت قدماه للحظة وهو يرى والدي جالسا بجوار الشيخ عبد الله ورجال الوزارة رأيت في عينيه لحظة الانهيار الأولى. تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن اللعبة لم تعد لعبته وأن المسرح تغير بالكامل دون أن يلاحظ.
حين رحب به الشيخ بجملة رسمية وعرف به وبوالدي وبعروسه المقبلة بنفس نبرة البروتوكولات الرسمية لم يعد وجه طارق يعرف كيف يتلون بين الشحوب والاحمرار والتوتر.
وعندما بدأت أنا الحديث بالعربية الفصحى
أمامه بهدوء وثبات
أشرح له
لمحة نيوز
القائمة
ستة أشهر من الصمت حتى
تم نسخ الرابط