​كنت فاكرة إن الريحة اللي طالعة من أرض أبويا هي ريحة العنب والتراب المبلول.. بس اكتشفت الليلة دي، في عتمة القبو، إن ريحة الدم مابتطيرش مهما فات عليها الزمن. واكتشفت إن الراجل اللي نايم جنبي كل ليلة، ك

لمحة نيوز

كنت فاكرة إن الريحة اللي طالعة من أرض أبويا هي ريحة العنب والتراب المبلول.. بس اكتشفت الليلة دي، في عتمة القبو، إن ريحة الدم مابتطيرش مهما فات عليها الزمن. واكتشفت إن الراجل اللي نايم جنبي كل ليلة، كان بيحفر قبري في الوقت اللي كنت واقفة فيه في المطبخ بعمل له القهوة بكل حب.
المطعم كان في آخر دور في فندق من فنادق القاهرة الشاهقة، أضواء النيل تحتنا كانت عاملة زي عقد ألماس مرشوش على فستان أسود. ياسين اختار المكان ده بالذات مش عشان جماله، لأ، ده عشان يحس بالسيطرة؛ هو من نوع الرجالة اللي بيحبوا الأماكن اللي تحسس اللي حواليهم إنهم ضئيلين قدام فلوسه وهيبته اللي راسمها على الناس.
جنبه كان شريف، أخويا من أبويا، قاعد ببدلة ضيقة عليه ومش لايقة على حجمه، وعينيه مش مفارقة الكاسات والمعالق الفضة، بيبص لها بنظرة جعانة. شريف ده من نوع الرجالة اللي ريحة طمعهم بتسبق كلامهم، والليلة دي كانت ريحة الفلوس في المكان تخنق.
طول العشاء، ملمسوش الأكل أصلاً،

كان طبقهم الرئيسي هو موضوع واحد المزرعة.
مزرعة أبويا في ريف الدلتا، فدادين ممتدة من أنضف أنواع العنب، وفي قلبها القصر القديم اللي والدي بناه طوبة طوبة بعد وفاة أمي، كأنه كان بيبني ضريح لحبه اللي ضاع. بالنسبة لي، المزرعة هي ريحة طفولتي، وعرق أبويا، وصوته وهو بيوصيني على الأرض. أما بالنسبة لياسين وشريف، فكانت مجرد أرقام في البنك وعقارات بتتباع وتتشري.
ياسين حط إيده على إيدي، كانت ناعمة زي الحرير بس مدارية تحتها سكين حامي، وقال بصوته الرخيم
يا روان يا حبيبتي.. بصي لإيديكِ الرقيقة دي، هل دي إيدين تتبهدل مع الفلاحين والتراب؟ إنتِ مدرسة، رسالتك في الكتب، مش سيدة أعمال. المزرعة بقت حمل تقيل بياكل في أعصابك، أبوكي سابها ليكي عشان بيحبك، مكنش يقصد يسيبلك كابوس يقتلك.
سحبت إيدي ببطء، وحسيت برعشة باردة في ضهري، وقلت بجمود مكنش يعرفه عني
أنا ماشية الأمور كويس، والعمال بيحبوني.
هنا شريف دخل في الكلام وصوته غليظ وهو بيمضغ الأكل
العمال بيسرقوكي يا
روان! والضرائب هتاكل الأخضر واليابس، وبنك الاستثمار عينه على الأرض. لو استنيتي شهر كمان، هتبيعيها بتراب الفلوس. وقعي التوكيل لياسين الليلة، وخلينا نخلص من الصداع ده.
مقدرتش أستحمل نظراتهم اللي كانت بتقطع فيا كأني فريسة مستنية تقع. قمت فجأة وأخدت شنطتي وقلت
محتاجة شوية هواء.. حاسة إني مخنوقة.
في ممر المطعم اللي إضاءته خافتة وبيرمي على الجراج، الهوا كان مليان بريحة بخور تقيلة. فجأة، شفت خيالات بتتحرك ورا العواميد الرخام. وقفت مكاني من الخوف لما طلع لي راجل لبسه مقطع، ووشه محفور بتجاعيد سنين من الشقا، ودقنه البيضا مهملة.
رفع إيديه اللي بتترعش عشان يهديني وهو بيهمس بلهفة
ماتصرخيش يا بنتي..وقبل ما استوعب، حط في إيدي صندوق خشب صغير جوز عليه نقوش قديمة، وقرب من ودني وقال جملة هزت كياني
ماتوقعيش على ورقة.. مهما كان الثمن. ماتأمنيش لضلك حتى. الليلة.. هتحتاجي اللي جوه الصندوق ده لو عايزة الفجر يطلع عليكي وإنتِ لسه عايشة.
الراجل اختفى في الضلمة
قبل ما أسأله هو مين. وبعد ثواني، طلع ياسين وشريف وهما بيضحكو ب تريقة، وأول ما شافوني، ياسين لبس قناع الزوج القلقان
روان؟ إنتِ كويسة؟
خبيت الصندوق في قعر شنطتي الكبيرة، وقلبي بيدق بعنف
أيوة.. دوخة بسيطة. يلا نرجع البيت.
وصلنا القصر في وقت متأخر. عملت نفسي تعبانة واستنيت لما ياسين طلع أوضته. نزلت المطبخ، ولعت كل النور كأني بستخبى في الضوء من الحقيقة اللي جاية.
فتحت الصندوق.. لقيت جواه تلات حاجات أغرب من بعض خاتم جواز دهب تقيل، كارت ميموري MicroSD، ورسالة مكتوبة بخط إيد مهزوز.
الخاتم كان نسخة طبق الأصل من خاتم ياسين. افتكرت إنه دايما بيلعب في خاتمه. قلبت الخاتم، لقيت بروز صغير، ضغطت عليه بظفري، الفص اتفتح وكشف عن مخزن صغير فيه بودرة بيضا.. سم؟ ولا مخدر؟
فتحت الرسالة وبدأت أقرأ
ابنتي روان.. أنا عم إبراهيم، كنت شغال في المزرعة من سنين في الدارا. أنا والد ياسين اللي تبرأ مني ومن فقري من يوم ما قرر يدوس على جثث الناس عشان يوصل. شفته هو وأخوكي
شريف في القبو بيقتلوا
تم نسخ الرابط