​"بينما كنا نحتفل بمرور تسعة أيام فقط على ولادة ابنتنا التي انتظرناها لسنوات، تبخر زوجي من حياتنا كدخان سيجارة، تاركاً خلفه هاتفه، محفظته، وقهوته التي لم تبرد بعد

لمحة نيوز

يحفر هنا من غير البوليس. ضحكت وقتها، لكن الآن، كنت أتصل بالشرطة ويدي ترتعش.
حين وصلت الشرطة، تذكرني المحقق نادر الذي تولى القضية قديماً. سألني هل سمعت ابنتك أي كلام عن هذا المكان؟. قلت له أبداً.
كانت روبي تقف ممسكة بلعبتها، وحين سألها المحقق ليه قلتي بابا هنا؟، ردت ببراءة كنت بدور على دود، وافتكرت طنط نجلاء قالت إيه.
سقط قلبي.. نجلاء هي زوجة أخى ، التي انتقلت للعيش في الغردقة منذ سنوات.
سألها المحقق قالت لك إيه يا حبيبتي؟.
قالت روبي قالت لي لو عايزة تعرفي بابا راح فين، اسألي مامتك هو ليه غطى الأرض الوحشة دي بالأسمنت.
في تلك اللحظة ساد الصمت. لم تكن رسالة من الموتى، بل كانت ذكرى مخزنة في عقل طفلة.
خلال ساعة، كانت الحديقة محاصرة، وبدأت آلات تكسير الخرسانة
في العمل.
تحت طبقة الأسمنت وبقايا الحجر، وجدوا كيساً بلاستيكياً كبيراً يحتوي على بقايا بشرية. لم أصرخ، بل شعرت بجسدي ينفصل عني. وجدوا بقايا ساعة يد، وإبزيم حزام، وقطعة متآكلة من إسورة المستشفى التي يلبسها المرافقون.. كانت إسورتي أنا من عيادة الخصوبة.
المفاجأة لم تكن في وجود الجثة فقط، بل في أن من دفنه كان يعرف البيت جيداً ولديه وقت كافٍ وهدوء ليفعل ذلك.
وفي صباح اليوم التالي، وقبل ظهور نتيجة ال DNA، وجدت نجلاء وأمي والدتي أنا على بابي، وجوههما شاحبة وترتعشان.
بدأت أمي بالبكاء، بينما كانت نجلاء تجلس بجمود.
قالت نجلاء محمود عرف قبل ما يختفي ب 3 أيام إن أخوكي إيهاب كان بيستخدم معدات شركة محمود وفواتيرها عشان يهرب مواد بناء مسروقة لحسابه، عشان يسدد ديون
قمار. محمود واجه إيهاب ونشب بينهم عراك عنيف.
إيهاب أخي كان يتردد علينا كثيراً بحجة المساعدة في الحديقة، وهو من أحضر الأسمنت لمحمود. في الليلة التي سبقت الاختفاء، ذهب محمود لمقابلة إيهاب في الحديقة ليحلوا الأمر، لكن الشجار تجدد، وسقط محمود واصطدم رأسه بحافة الحفرة التي كان يجهزها للخرسانة ومات فوراً.
إيهاب أصابه الرعب، واتصل بمين؟ اتصل ب أمي.
أمي التي خافت على ابنها من السجن، ذهبت إليه قبل الفجر. كنت أنا وقتها في المستشفى بسبب حمى مفاجئة بعد الولادة.
قالت لي أمي وهي تنهار إيهاب قال لي السجن هيدمره، والبنت هتعيش من غير عيلة.. دفنه وغطاه بالأسمنت اللي كان موجود أصلاً، وخد تليفونه ومحفظته ورماهم في الترعة عشان يبان إنه هرب.
ونجلاء؟ نجلاء عرفت لاحقاً من أمي،
وأجبروها على الصمت عشان خاطر مصلحة العيلة. لكن ضميرها لم يحتمل، فرمت تلك الجملة في أذن الصغيرة روبي لعلها تكون المفتاح.
تم القبض على إيهاب في مدينة أخرى كان يعمل بها، واعترف بكل شيء. أدين بتهمة القتل الخطأ وإخفاء جثة، وأمي أيضاً واجهت تهم التستر.
أما روبي.. لم تكن مخاوية أو روحانية. هي فقط طفلة ربطت الخيوط بذكاء؛ جملة من عمتها، توتر جدتها عند المرور بالحديقة، ونظراتي أنا الحزينة.
سألتني روبي وهي تبكي بهدوء يعني بابا كان تحت الأرض طول الوقت ده؟.
قلت لها أيوه يا حبيبتي.
سألت أنا اللي خليتك تلاقيه؟.
احتضنتها بقوة وقلت أيوه.. إنتي اللي رجعتيه لينا.
لم يتركنا محمود بإرادته.. لقد قتل ودفن في بيته على يد أقرب الناس، وظل يحرسنا من تحت الأرض لست سنوات حتى قررت
ابنته أن تنهي الصمت.

تم نسخ الرابط