كل يوم في نفس الزاوية في الفصل بنتي كانت بترسم البيت الأحمر اللي سقفه أسود وتنفجر في العياط
كل يوم، في نفس الزاوية في الفصل، بنتي كانت بترسم البيت الأحمر اللي سقفه أسود وتنفجر في العياط، مع انننا عمرنا ما سكنا في المكان ده.
بيت منة الأحمر
بنتي بدأت ترسم نفس البيت الأحمر ده مره ورا التانيه ، وفضل الموضوع ده مستمر لأسابيع، رغم إننا عمرنا ما سكنا في مكان شبه ده أبداً.
في الأول، قلت ده مجرد خيال أطفال، لحد ما المدرسة بتاعتها بعتت لي صورة جديدة وقالت لي إن بنتي عيطت كتير جداً بعد ما خلصتها.
في الرسمة، قدام البيت الأحمر، كان فيه أربعة أشخاص. تلاتة واقفين، وواحد مرمي على الأرض. وفوقهم، بخط إيد ملخبط، كتبت ده اليوم اللي ماما سابتني فيه ومشيت.
كانت بنتي منة عندها ست سنين وفي أولى ابتدائي، لسه في السن اللي أي رسمة بترسمها لازم تيجي معاها بشرح وافي، سواء سألتها أو لأ. أغلب رسوماتها كانت عادية جداً زي ما تتوقع من طفلةقطط بنفسجي، شمس بتضحك، أو عمارة بتاعتنا وشبابيك كبيرة أوي وشجرة شكلها عامل زي البروكلي.
عشان كده لما رجعت في يوم ومعاها ورقة مرسوم فيها بيت أحمر مربع بسقف أسود وشباك واحد ضيق في الدور الفوقاني، مخدتش بالي أوي. قلت لها جميلة يا حبيبتي، وعلقتها على الثلاجة
تاني يوم رسمته تاني. واليوم اللي بعده كمان.
دايماً نفس البيت. حيطان حمراء، سقف أسود، سور معوج، وشباك واحد فوق. مهما
في الأول افتكرت إنه مجرد تعليقة من اللي بتيجي للأطفال بدون سبب واضح. شهر يحبوا الديناصورات، وشهر يحبوا البيوت. بس منة عمرها ما عاشت في بيت أحمر. إحنا عايشين في شقة في الدور التالت، وقبلها كنا عايشين أنا وهي عند أختي لمدة سنة بعد طلاقي. مفيش أي بيت أحمر في حياتها أعرفه.
لما كنت بسألها، كانت بتهز كتافها وتقول ده مجرد بيت. بس نبرة صوتها مكنتش عادية وهي بتقول كده.
منة حالتها اتغيرت بقالها حوالي شهربقت أهدى وقت النوم، بتشبط فيا أكتر الصبح، وفجأة بقت مرعوبة إني ممكن أنسى أروح أخدها من المدرسة. مرتين عيطت لأني طولت شوية في ممر السوبر ماركت وافتكرت إني روحت مكان تاني.
أنا لومت الظروف وقولت بداية سنة دراسية جديدة، تغييرات كتير، وأبوها شريف كان لسه ناقل لمدينة تانية وبدأ يفوّت زياراته الأسبوعية. الأطفال بيحسوا بالغياب قبل ما الكبار يعترفوا بيه.
بعدين ميس هبة، مدرستها، بعتت لي إيميل.
فتحت الملف وأنا مستنية ورقة تلوين عادية، بس لقيت صورة خلت الدم يتجمد في عروقي.
البيت الأحمر كان موجود تاني، بس المرة دي مالي الصفحة كلها. وقدامه أربع أشخاص رسم كروكي. تلاتة واقفين، وواحد
ده اليوم اللي ماما سابتني فيه ومشيت.
فضلت باصة للشاشة لحد ما قفلت لوحدها. إيديا بدأت تترعش. أنا عمري ما سيبت بنتي ورايا أبداً. لا في محل، ولا مدرسة، ولا حتى في ركنة عربية لدقيقة واحدة. هي كانت مركز حياتي من أول ثانية عرفت فيها إنها موجودة. أنا سيبت أبوها، سيبت شغلي، حتى سيبت بلد تانية خالص لأن القعدة فيها كانت خطر بعد الطلاق. بس عمري ما سيبتها هي.
ميس هبة كلمتني بعدها بعشر دقائق. صوتها كان حذر زي المدرسين لما بيحاولوا ما يخوفوش الأهل وهم أصلاً خايفين.
قالت لي هي عيطت بعد ما خلصتها. مش بصوت عالي، فضلت قاعدة بتعيط بس. ولما سألتها ده معناه إيه، قالت ماما مش فاكرة، فعشان كده ملوش لزمة.
مشيت من الشغل بدري وروحت خدت منة بنفسي. ركبت الكنبة الورانية بشنطتها ولانش بوكس الديناصورات، وابتسمت لي ابتسامة باهتة وتعبانة. النوع ده من الابتسامات اللي الأطفال بيلبسوها لما يحسوا إن الكبار هيسألوهم أسئلة هما مش عايزين يجاوبوا عليها.
في البيت، شغلت لها كرتون، وعملت لها ساندوتش جبنة سايحة، واستنيت لحد ما استقرت على الكنبة تحت بطانيتها الصفراء، وقعدت جنبها.
قلت لها براحة يا منة.. هو إيه اللي حصل عند البيت الأحمر؟
فضلت باصة للتلفزيون. وقعدت مدة طويلة ساكتة.
بعدين، وبصوت واطي جداً، ردت
ده كان لما إنتي مشيتي مع الراجل اللي في النقل العربية النص نقل.
جسمي كله تِلم. لأن عمري ما كنت في بيت أحمر.
بس من سنين، قبل ما منة تكبر وتفتكر أي حاجة بوضوح، أنا فعلاً مشيت مع راجل في عربية نص نقل.
أبوها.. شريف.
وفجأة، ولأول مرة من وقت طويل، أسبوع ضايع من حياتي اتفتح زي الباب في دماغي.
الأسبوع ده مع شريف دايماً كان مشوش بالنسبة لي. مش ضايع تماماً، بس متغطي بضباب عمري ما حاولت أخترقه. حصل لما منة كان عندها سنتين. كنا انفصلنا ورجعنا، وهو جالي معتذر وبوعود وصوت منكسر بيستخدمه لما يحب يبان ضحية أفعاله. قال إنه عايز يقضى اسبوع أخير يثبت فيه إنه يقدر يكون راجل بيت بجد. قال إنه أجّر مكان في الريف، مكان هادي نقدر نتكلم فيه من غير ما أختي تتدخل.
سألتها راجل مين اللي في العربية؟ وأنا عارفة الإجابة.
وش منة انكمش وقالت اللي كان بيزعق.
شريف كان بيزعق كتير لدرجة إن الجملة دي لوحدها متحددش موقف معين.
ده حصل وإنتي صغيرة؟
هزت راسها آه.
حاولت أخلي نفسي هادي. وإيه اللي حصل في البيت؟
شدت البطانية لحد دقنها وقالت إنتي كنتي نايمة.
نايمة.
همست لها أنا سيبتك هناك؟
قالت لي إنتي مكنتيش عارفة إني بره.
الأوضة لفت بيا. سندت إيدي على الكنبة عشان أصلب طولي. بره؟
هزت راسها وقالت إنتي كنتي بتعيطي في