بنتي نزلت تشتري ملح من السوبر ماركت
مروة كشرت وقربت مني:
"إنتي مجنونة يا ست إنتي؟ عصام، إنت تعرفها؟"
ما عبرتهاش، عيني كانت متسمرة في عين عصام وقلت بدموع.
"يوم ما نور اختفت، كانت لابسة فستانها الأحمر والخيط ده في إيدها."
"لسه عايز تقولي مش فاكر ..مش فاكر ازاي ده كان طول اليوم في ايدها؟"
شفايف عصام كانت بترتعش، مش قادر ينطق.
مروة زهقت وزقته:
"ما تنطق يا عصام! مين الست دي؟ ومين نور؟"
عصام لسه بيفتح بقه، الولد الصغير اللي كان في حضنه شاور بإيده على الباب.
"ماما، أنا عارف.. الكلب ده بتاع البنت اللي بتعيط."
الجو في الصالة بقى مشحون، كهرباء في الهوا خنقتني. حمزة لسه مش فاهم المصيبة اللي قالها، وعيونه بتتنقل بيني وبين أبوه ببراءة، لكن عصام.. عصام اتغيرت ملامحه تماماً. أول ما سمع كلام الواد، عيونه برقت بشر، ووشه احمر لدرجة إني خفت يطرشق، ونط زي المجنون يسكت الواد ويشده من إيده.
"اسكت يا واد يا قليل الأدب! أنت بتهلوس بإيه؟ الكلب ده خرافات، والبنت اللي بتعيط دي مجرد قطة محبوسة في البدروم عشان الزبالة! الست دي مجنونة وجاية تلبسنا في حيط!"
عصام وقف قدامي، سد طريقي للطرقة اللي بتودي للجنينة، وعيونه كانت بتلمع بخوف مرعب. مروة، اللي كانت مبهورة بفلوسه وجمال
بيته، وقفت جنبه وشهقت بصوت عالي: "إيناس، لو ما مشيتيش دلوقتي هطلب البوليس! إيه التمثيلية البايخة دي؟ إحنا ناس محترمة، مش ناقصين شحاتين ولا مجانين!"
بصيت
"مفيش حد جوه!" زعق في وشي، وصوته كان بيترعش من كتر الغضب. "إنتي مريضة نفسية يا إيناس! بقالك خمس سنين بتدوري على سراب، والواد ده عيل صغير بيألف قصص! لو قربتي خطوة تانية، مش هرحمك!"
حاول يزقني، بس أنا كنت حاطة كل قوتي في عيني. زقيته بكل اللي عندي، لدرجة إنه اتكعبل في السجادة ووقع. سمعت صوت خبط من تحت الأرض، صوت خبطات خفيفة ومستمرة.. خبطات نور! قلبي دق طبول، وبسرعة البرق، جريت ناحية باب الجنينة. عصام قام زي النمر، حاول يشدني من شعري، بس أنا كنت سبقت، فتحت الباب وطلعت على النجيله اللي كانت مهملة.
"إيناس! ارجعي مكانك! والله ما هسيبك!" صرخ ورايا، بس أنا مكنتش سامعة غير صوت أنين مكتوم طالع من تحت غطاء حديدي مصدي في آخر الجنينة، متغطي بكراتين وشنط قديمة.
نطيت فوق الكراتين، وبدأت أشيلها بإيدي اللي اتجرحت من المسامير. عصام كان خلاص وصل ورايا، مسكني من كتفي وشدني لورا، بس أنا عضيت إيده بكل قوتي لحد ما صرخ وسابني. وقعت على القفل المصدي، وبدأت أضربه بحجر كبير كان مرمي جنبي. ضربة، اتنين، تلاتة.. لحد ما القفل اتكسر.
فتحت الباب الحديدي،
ونزلت السلالم اللي ريحتها كلها تعفن. الضلمة كانت مخيفة، بس شفت خيال بنت قاعدة في الركن، بتضم رجليها
"نور؟ نور يا حبيبتي؟"
البنت رفعت وشها ببطء، عيونها كانت ذبلانة، وشعرها خصلات طويلة ومبهدلة. لما شافتني، فضلت باصة لي فترة كأنها مش مصدقة، وبعدين انفجرت في عياط هستيري وهي بترمي نفسها في حضني. "ماما! ماما وحشتيني أوي.. أنا هنا بقالي كتير!"
شديتها لحضني، وكنت بحس بضربات قلبها الضعيفة. في اللحظة دي، عصام وقف عند باب البدروم، وشه مفيش فيه نقطة دم، ومروة واقفة وراه بتبصلي بذهول وخوف.
خرجت بيها للنور، وبصيت لعصام بصه كرهت نفسي إني في يوم اعتبرته راجل. دموعي كانت حارقة وأنا بصرخ في وشه: "ليه يا عصام؟ ليه؟ دي لحمك ودمك! ليه تعمل في بنتك كده؟"
عصام بطل يزعق، وبص لي بنظرة مكسورة، نظرة واحد خلاص كشفوا أمره وماعادش عنده حاجة يخبيها. مسح وشه بإيده وقعد على الأرض وقال بصوت بارد: "عايزة تعرفي ليه؟ لأن مروة كانت حامل في الولد اللي طول عمري بحلم بيه. كان لازم أكون معاها، كان لازم أبدأ حياة جديدة نظيفة من غير أي تذكار من الماضي."
بص لي باحتقار وكمل: "لو كنت طلقتك بهدوء، كنت هتقرفيني في المحاكم، وتطلبي نفقة ومصاريف تعليم ونوادي، وتفضلي رابطة حياتي بيكي وبالبنت دي طول العمر. كنت هتدفعي ربع مرتبي، وتخربي عليا حياتي الجديدة. كان أسهل إني أخلص منك ومن
البنت، وأرمي ذنبها عليكي، وأخليكي تعيشي في دوامة
سمعت مروة بتتمتم ورا، بس عصام قاطعها: "أيوة.. كان لازم أخلص منها. كان لازم أفرغ نفسي للولد اللي جاي، عشان ميكبرش في بيت فيه بقايا من زواجي الأول. مكنتش عايز مليم يروح لمكان غير بيتي الجديد."
وقفت قدامه، ونور في حضني متمسكة بقميصي كأنها خايفة يرجع ياخدها تاني. "أنت شيطان يا عصام.. أنت مش بس خطفت بنتك، أنت قتلت الإنسانية فيك. فاكر إنك بفلوسك وبذكائك هتهرب؟ أنت النهارده لبست نفسك في قضية هتنهي حياتك، مش بس في السجن، ده كمان في نظر الناس."
خرجت تليفوني وبدأت أصور الفيديو وأنا بتكلم معاه، وهو كان لسه بيبرر بجنون، كأن اللي عمله ده شيء طبيعي. الشرطة كانت خلاص بدأت توصل بعد ما الجيران اتصلوا، وصوت السارينة كان بيقرب. عصام بص للسما، وبص لمروة اللي كانت بتحاول تتنصل من الموضوع، وفهمت وقتها إن الجحيم اللي كان مخبيه لنور، هو نفس الجحيم اللي هيدخله هو ومروة، لكن المرة دي، من غير طريق عودة.
نور مالت على ودني وقالتلي بصوت واطي: "ماما.. أنا كنت بسمع صوتك وأنتِ بتدوري عليا في الشارع، بس كنت خايفة أزعق عشان الكلب ما يعضنيش."
حضنتها أكتر، ومسحت دموعي. مش هسيب حق بنتي، ولا حق عمري اللي ضاع. عصام اتسحب للبوكس وسط صراخ الجيران، ومروة كانت بتنهار قدامنا، بس أنا كان كل اللي يهمني.. نور رجعت، والخيط الأحمر اللي كنت ضفرهولها زمان، لسه في إيدها، بيفكرني