في جنازة زوجي.. مراهق مجهول قال لي: "هو وعدني إنك هتخلي بالك مني"
ونظر إلى الصورة بحزن، ثم قال بصوت يملؤه الصدق أرجوكي.. اسمعيني، خليني أقولك الحقيقة.
طويتُ ذراعيّ أمام صدري وأنا أحاول منع نفسي من الارتجاف، نظر آدم إلى القبر قبل أن يستجمع شجاعته ويكمل أستاذ عادل مش والدي.
ضحكتُ بمرارة وسخرية، لكنه أصرّ والله دي الحقيقة، هو وماما كانوا أصدقاء من أيام الجامعة، هي اسمها داليا.
قبضتُ على الصورة بقوة أكبر، فبلع ريقه وأكمل أستاذ عادل كان هو الوصي القانوني عليا من المحكمة.
كلمة وصي وقعت على أذني كالصاعقة. سألته بذهول بتقول إيه؟ وصي إزاي؟
شرح لي آدم والدموع في عينيه ماما وقعت في طريق غلط وتعبت من حوالي 6 سنين، وملهاش حد في الدنيا، وبابايا الحقيقي سابنا من زمان. لما حست إنها بتضيع ومحتاجة تتعالج، لجأت لأستاذ عادل، الشخص الوحيد اللي كانت بتثق فيه. بدأ يساعدنا.. في الأول كان بيوصلها لمواعيد العلاج، وبعدين بقى يجيب لنا طلبات البيت ومصاريف مدرستي.
شعرتُ بغضبي يتلاشى ويحل محله شعور بالذنب.
أكمل آدم كان بيجي يشوفني كل يوم سبت. ماما لسه بتدخل وتخرج من مراكز التأهيل، وهو اللي كان بيدفع لي مصاريف الدروس وتدريبات الكورة ورحلات المدرسة.
بحثتُ عن صوتي وقلت بس هو عمره ما قالي!
قال آدم بهدوء عارف.. بس ماما هي اللي حلفتُه ميعرفش حد بظروفها، كانت خايفة من نظرة الناس ليها. وأستاذ عادل احترم رغبتها، وكان دايماً يقول دي أسرار ناس مش من حقي أحكيها.
الخيط الرفيع بين الشك واليقين
هبت نسمة هواء باردة، وكأن عادل يربت على كتفي.
أضاف آدم بحذر هو قالي لو جرى له حاجة، إنتي اللي هتخلي بالي منك.. مش لازم تتبنيني أو تعيشيني معاكي لو مش عايزة، بس تتأكدي إني خلصت تعليمي. هو عمل حساب تعليمي في صندوق ادخار باسمك إنتي.
دارت الدنيا بي.. مش منطقي اللي بتقوله ده!
أجابني أستاذ عادل كان مرتب كل حاجة، خلاني أقابل المحامي بتاعه، أستاذ كامل، السنة اللي فاتت. وقالي لو متّ، أستاذ كامل هيكلمني ويقولي ميعاد الجنازة، وأنا المفروض أشرح لك كل حاجة.
همستُ بضعف بس هو كان صحته كويسة.. مكنش فيه مقدمات.
رد آدم بحنان هو كان دايماً يقول إن مشاكل القلب وراثة في عيلته، ومكنش بيشتكي بس كان عايز يطمن عليا. قالي ميرفت أقوى ست عرفتها، ولو
نظرتُ إلى شاهد القبر، شعرتُ بالخجل من نفسي.. وبالغضب من عادل لأنه لم يشركني، وبالفخر به في آن واحد. قلتُ بصوت منخفض كان لازم تقولي يا عادل.
قال آدم حاولت أقولك إمبارح بس إنتي مسمعتيش.
أغمضتُ عيني وقلت أنا مش قادرة استوعب كل ده دلوقتي.. أنا لازم أمشي. وللمرة الثانية، هربتُ من آدم.
في مكتب المحامي
لكنني لم أذهب للبيت، بل ذهبتُ مباشرة لمكتب أستاذ كامل، محامي عادل.
استقبلني المحامي بأسى البقاء لله يا مدام ميرفت.
قلتُ بلهجة حازمة عايزة أعرف الحقيقة.. حقيقة آدم.
أخرج المحامي ملفاً سميكاً وقال عادل تم تعيينه وصي قانوني على آدم من 5 سنين. دي أوراق المحكمة، وده توقيع عادل، وده ختم القاضي.
رأيتُ توقيعه المألوف، وشعرتُ بقلبي يرتجف.
تابع المحامي عمل حساب ادخار لتعليم آدم، وحضرتك الوصية على الحساب ده بعد وفاته. ليكي كامل التصرف في تمويل تعليم آدم لحد ما يتم 21 سنة.
سألته والدموع تغلبهني ليه مخبى عليا؟
رد المحامي داليا والدة آدم هي اللي طلبت منه السرية التامة بخصوص ظروفها المادية والصحية. عادل كان عايز يحترم رغبتها، وكان ناوي يعرفك
ثم أضاف كان بيحبك جداً، وكان دايماً يقول إنك هتفهمي لما يجي الوقت.
قرار ميرفت الأخير
خرجتُ من المكتب ومعي رقم آدم. جلستُ في سيارتي أبكي.. لم أتزوج خائناً، بل تزوجتُ رجلاً نبيلاً لآخر لحظة. تذكرتُ حين سألني منذ شهور إيه رأيك لو كفلنا طفل في يوم من الأيام؟ ويومها قلت له يا ريت.
اتصلتُ بآدم وطلبتُ مقابلته عند القبر مرة أخرى. عندما وصلت، كان جالساً يضع باقة ورد بسيطة.
قلتُ له أنا كلمت أستاذ كامل.
توترت أكتافه، فاقتربتُ وقلت أنا آسفة يا آدم.. أنا اتسرعت وظنيت ظن سوء.
قال بهدوء أنا مقدر يا طنط.
أخذتُ نفساً عميقاً وقلت أنا هكمل اللي بدأه عادل. تعليمك ومصاريفك وكل اللي تحتاجه مسؤوليتي لحد ما تتخرج وتعتمد على نفسك. عادل ائتمنني على الأمانة دي، وأنا مش هخذلك.. ولا هخذله.
لمعت عيناه بالدموع وقال شكراً.. هو فعلاً كان دايماً يقول إنك أحسن ست في الدنيا.
ضحكتُ وسط دموعي ونظرتُ إلى اسم عادل المنقوش على الرخام وهمست بحبك يا عادل.
في تلك اللحظة، لم يختفِ حزني، لكنه تبدل. عادل لم يترك لي خيانة تكسرني، بل ترك لي مسؤولية تمنح حياتي معنى جديداً.