في جنازة زوجي.. مراهق مجهول قال لي: "هو وعدني إنك هتخلي بالك مني"
في جنازة زوجي.. مراهق مجهول قال لي هو وعدني إنك هتخلي بالك مني..
كنت أظن أنني قرأت كل فصول حياة زوجي، حتى ذلك اليوم الذي واريناه فيه الثرى. حينها، ظهر صبي مراهق لم تقع عيني عليه من قبل، وكلماته قلبت حياتي رأساً على عقب.
كنت متزوجة من عادل لمدة 28 عاماً. فترة كانت كافية لأعتقد أنني أعرف عنه كل كبيرة وصغيرة، بما في ذلك عاداته وماضيه. كنت أحفظ حكايات طفولته، وسنوات جامعته، وحتى شقته الأولى التي كان أثاثها قديماً ومتهالكاً.
كنا مترابطين لدرجة أنني كنت أعرف أنه يقلب قهوته عكس اتجاه عقارب الساعة، وأنه يدندن بنغمات غير مفهومة عندما يتوتر. كنت أظنني أعرف كل شيء.
كانت حياتنا أنا وعادل بسيطة، لا حسابات بنكية سرية ولا رحلات عمل مفاجئة. بنينا حياتنا على الروتين الهادئ شراء مستلزمات البيت صباح الجمعة، شرب القهوة معاً قبل العمل، وأمسيات هادئة أمام التلفزيون لمشاهدة مسلسلات التحقيق القديمة. لم يرزقنا الله بالأطفال، وكان هذا جرحنا الصامت الوحيد، لكننا تعلمنا كيف نتجاوزه ونعيش بسلام.
رحل حب حياتي فجأة.. سكتة قلبية في مدخل الجراج.
في لحظة كان يجادلني حول ما إذا كنا نحتاج لإعادة دهان سور البيت، وفي اللحظة التالية كنت في مؤخرة سيارة الإسعاف، أمسك بيده وأتوسل إليه ألا يتركني
عادل.
لكنه كان ينسحب من الحياة بالفعل. ارتخت يده في يدي قبل أن نصل إلى المستشفى.
المواجهة المفاجئة
كانت الجنازة بسيطة، حضرها الأهل وبعض الزملاء والجيران. وقفتُ بجانب النعش أستقبل المعزين وأنا في حالة من عدم التركيز.
همست أختي نجلاء قائلة البقاء لله يا ميرفت، شدي حيلك.
وقال مديره في العمل كان راجل طيب وشهم.
وآخرون كرروا لو احتجتي أي حاجة إحنا موجودين.
كنت أومئ برأسي وأشكر الجميع آلياً حتى آلمني وجهي. وهنا لمحته.
كان صبياً طويلاً، ربما في الخامسة عشرة من عمره، يرتدي سترة داكنة كانت تبدو واسعة عليه قليلاً. كان يعصر يديه بتوتر وكأنه يستجمع شجاعته لشيء ما.
لم يكن يقف مع أحد، بل كان يراقبني من بعيد وكأنه ينتظر دوره. وعندما قلّ الزحام، تقدم نحوي مباشرة.
عن قرب، بدت ملامحه صغيرة جداً، لكن عينيه كانتا تحملان ثقلاً لا يناسب سنه أبداً.
قال بأدب البقاء لله يا طنط.
أجبتُ بشكل تلقائي ونعم بالله يا ابني، شكراً.
ابتلع ريقه بصعوبة وأضاف بصوت خفيض هو قالي لو جرى له حاجة في أي وقت.. حضرتك اللي هتخلي بالك مني.
لثانية، ظننت أنني لم أسمع جيداً. قلت بذهول أنا مش فاهمة.. نعم؟
نظر الصبي في عيني مباشرة وقال عادل هو اللي وعدني.
سألتُه وأنا في حالة صدمة،
أجاب الصبي بكلمة واحدة هزت أركاني
أنا اسمي آدم.
قبل أن ينطق بكلمة أخرى، قلتُ بحدة ومحاولة لتماسك أعصابي أعتقد إن فيه سوء تفاهم، إنت أكيد غلطان في العنوان.. ده عزاء عائلي خاص، إنت إيه اللي جابك هنا؟
كانت الأفكار تنهش عقلي كأنها نصال حادة.. هل هو ابن سري؟ هل كان لزوجي حياة خفية؟ خيانة دامت لسنوات؟ شعرت بضيق في صدري.. 28 سنة زواج، هل كنت فعلاً أعرفه؟
انكسرت ملامح آدم، لكنه لم يتحرك من مكانه، وقال بصوت مهزوز هو اللي قالي آجي أدور عليكي.
قاطعتُه وصوتي يرتفع رغمًا عني مش عارفة هو قالك إيه، بس ده مش وقت كلام.
كان الحزن والذل يتصارعان بداخلي. لم أحتمل الوقوف بجانب نعش زوجي لأناقش ما بدا لي دليلاً على خيانته. قلتُ باقتضاب لازم أمشي. التفتُّ وغادرتُ المكان وهو يحاول أن يفتح فمه ليتحدث، لكنني لم أعطه الفرصة.
السر المخبأ في الخزنة
في المقابر، لم أخلع نظارتي السوداء. كنت أراقب التراب وهو ينهال على النعش، وكل كلمة يقولها الشيخ عن الأمانة والاستقامة كانت تبدو لي كعلامة استفهام كبيرة. بحثتُ بعيني عن آدم وسط الناس، لكنه اختفى تماماً كما ظهر.
عدتُ إلى البيت، وبعد أن انصرف المعزون وأغلقت أختي نجلاء الباب خلفها، توجهتُ مباشرة
فتحتُ الخزنة بيد ترتجف. بدأتُ أفتش في الأوراق؛ بوالص تأمين، صور قديمة.. حتى توقفت أنفاسي أمام صورة واحدة امرأة تحمل رضيعاً. كانت تبتسم بحنان، وعلى ظهر الصورة كتب عادل بخطه المعروف داليا والطفل آدم مع اسم عائلتهما.
انهلتُ على الكرسي وأنا أهمس للفراغ ليه يا عادل؟ ليه عملت فيا كده؟
حسبتُ الحسبة بعقلي الطفل في الصورة عمره شهور، والصورة منذ 15 عاماً. فجأة، أدركت أن عمله التطوعي كل يوم سبت الذي كان يدعي فيه أنه يساعد الشباب المحتاج لم يكن إلا غطاءً لحياته الأخرى.
المواجهة الأخيرة
لم تذق عيني النوم تلك الليلة. وفي الصباح، تحول حزني إلى غضب يطالب بإجابات. قتت سيارتي وعدتُ إلى المقابر. كنت أريد مواجهته، حتى لو كان مجرد حجر صامد تحت التراب.
لكنني عندما اقتربتُ من القبر، وجدتُ شخصاً هناك بالفعل. إنه آدم. كان يقف بظهره، أكتافه مشدودة وينظر إلى التراب المبلل.
اندفعتُ نحوه وصرختُ فيه مين داليا دي؟ وإيه علاقتها بجوزي؟ إنت ابنه صح؟
التفتَ إليّ بذعر وقال لا! والله العظيم لا!
رفعتُ الصورة في وجهه بيد ترتجف أومال إيه دي؟ فسرلي
أخذ نفساً طويلاً،