"الناس في البلد كانوا بيحلفوا بحياة (الحاجة فوزية) وبتقواها، بس مكنش حد يعرف إن "التقوى" بتاعتها محتاجة درجة حرارة (18 تحت الصفر) عشان تعيش.. مكنتش أعرف إني هفتح فريزر اللحمة عشان استلم بنتي "جثة "
تحذير "ليلى" البريء نزل على قلبي كالثلج. "الناس اللي مش بيرجعوا".. جملة تردد صاها في القبو، وكأنها تأكيد لكل الإشاعات السوداء اللي كانت بتدور في العزبة والبلد من سنين طويلة.
"فوزية هانم" مكانتش مجرد سيدة مجتمع؛ دي كانت "أم بديلة" مرخصة من الشؤون الاجتماعية من 40 سنة. كانت متخصصة في رعاية المراهقين الهاربين والأطفال اليتامى اللي ملهومش حد. المسؤولين في البلد كانوا بيعملوا لها حفلات تكريم ويدوها دروع "الأم المثالية" وجمعيات الخير. وطول السنين دي، فيه أطفال كتير اختفوا.. وفوزية كانت دايماً تقول بدموع تماسيح إنهم هربوا في نص الليل وسابوا "بيتها الحنين". وطبعاً "مأمور المركز" اللي كانت بتمول حملاته الانتخابية مكنش بيفكر حتى يفتش وراها.
سندت "ليلى" براحة على "بنك" خشب قديم، ولفيتها بقطعة قماش تقيلة فوق الجاكت عشان أدفيها.
"غمضي عينيكي يا ليلى،" قلت لها بصوت ميت، خالي من أي مشاعر، صوت راجل بيستعد لمعركة أخيرة. "متفتحيش أبداً غير لما أقولك."
هزت راسها وطاعتني، وده كان أكبر دليل على الرعب اللي عاشته في البيت ده.
روحت لصندوق العدة، وسحبت "عتلة" حديد ضخمة وطويلة. قربت من الفريزر التاني المصدي. وقبل ما أوصل، ضربت في مناخيري ريحة غريبة.. مش ريحة لحمة معفنة، لأ.. دي ريحة كيماويات تقيلة، ريحة كلور وشوية "بوتاس" مع ريحة "زنخة" دم ناشف.
حشرت طرف العتلة في القفل النحاسي. عضلاتي اللي نشفت من شقى السنين اتشدت بكل قوتي. ضغطت بكل حمل جسمي لورا، والحديد صرخ صرخة عالية هزت المكان، وفجأة.. طاااخ! انكسر القفل ووقع في التراب.
رميت العتلة، وحطيت إيدي
مطلعش منه هوا بارد.. طلعت منه "نفخة" من نار جهنم. الفريزر من جوه كان متبطن ببلاستيك أسود تقيل بتاع المقاولات، ومتدبس في الجدران بإحكام.
وجوه البلاستيك.. كانت "البقايا".
مكانتش جثة واحدة. كانت "مكعبات" مرعبة من العظم البشري، وجلد ناشف زي الجلد الميت، وهدوم قديمة باهتة. "كوتشي" صغير برباط بينك.. وسلسلة فضة مصدية مكسورة فوق قفص صدري مهشم. جماجم تلات أطفال على الأقل، أحجامهم مابين مراهقين وشباب صغير، كانوا بيبصوا لسقف القبو بفتحات عيونهم الضلمة. "فوزية" مكانتش بتعمل عمل خير.. دي كانت فاتحة "سلخانة" بشرية، بتمويل من الدولة وبحماية فلوسها، وبسادية مفيش عقل بشري يستوعبها.
رجعت لورا وأنا بترعب، المنظر اتحفر في نني عيني للأبد. حسيت بنار في زوري، وركعت على الأرض أرجع من هول الصدمة. "كريمة".. طليقتي وأم بنتي.. كبرت في البيت ده. عاشت طول عمرها فوق الرعب ده. كانت شريكة ومستفيدة من الكابوس ده.
مسحت بقي بضهر إيدي. طلعت الموبايل. متصلتش بالنجدة.. لأن المأمور "صلاح" كان هيبعت حد يخلص عليا ويرميني مع العظم عشان يحمي "ولية نعمته".
بدل كدة، طلبت رقم حافظه من أيام خدمتي في سيناء.. رقم مباشر لواحد من قادتي القدامى اللي بقى دلوقتي لواء كبير في "الأمن الوطني".
الخط فتح.. "اتكلم."
"يا فندم،" قلت وصوتي فيه نبرة غامقة ومرعبة. "أنا أيمن. محتاج قوة أمنية فورية ومسلحة لبيت (فوزية Vance) في العزبة. متبلغوش أمن المركز. أنا لقيت مقبرة جماعية لأطفال وحالة تعذيب حيّة."
أيمن ؟" نبرة اللواء اتغيرت فوراً من الرسمية للجدية
"بنتي معايا. بس هما في الطريق للبيت،" بصيت لـ "ليلى" اللي بتترعش. "ابعت كل اللي عندك."
الجزء الرابع: عودة "الحاجة"
قفلت السكة. القوة هتوصل بس محتاجة على الأقل ساعة. وأنا كنت لوحدي في الضلمة، واقف كحامي بين بنتي وبين عيلة من القتلة السيكوباتيين.
وفعلاً، زي ما توقعت، سمعت صوت عربية "المرسيدس" الفخمة وهي بتفرمل على الرمل بره. رجعوا بدري من المولد.
سمعت رزع أبواب العربية، وبعدها خبط خطوات على السلم الخشبي بتاع البيت. الباب العملاق اتفتح بصوته المزعج.
"ليلى؟" صوت فوزية زلزل البيت من فوق. صوت كله جبروت، متغطي بحنية مزيفة بتقطر سم. "جاهزة عشان تتأدبي يا بنت؟ ربنا بيكره الأطفال الأشقياء.. صليتي عشان تستغفري؟"
وسمعت صوت "كريمة" الضعيف والخانع من المطبخ: "متقسيش عليها قوي يا ماما، البرد دايماً بيعدل سلوكها في كام ساعة."
الكلام ده ولع نار في دمي حرقت أي رحمة باقية جوايا. مكنتش مجرد أب مهزوم في محكمة.. أنا بقيت "عشماوي"، وهما اللي رجليهم على الطبلية.
رحت لـ "ليلى"، وبست راسها. "غمضي عينيكي وسدي ودنك يا بطلة.. بابا طالع يتكلم مع تيتة شوية."
مسكت العتلة الحديد في إيدي. وزنها كان مثالي. مخبيتش نفسي. طلعت السلم بخطوات تقيلة، رزع جزمتي الميري كان بيرن في البيت كله بصوت مرعب.
دب.. دب.. دب.
الحركة فوق وقفت تماماً. البيت سكن.
"مين اللي تحت؟" فوزية زعقت، والحنية المزيفة طارت، وحل مكانها صوت طاغية حست إن مملكتها اتخرمت. "كريمة! هاتي البندقية من الدولاب!"
وصلت لآخر درجة وفتحت باب البدروم بظهري بضربه واحدة،
دخلت الصالة، والعتلة على كتفي. فوزية كانت واقفة في آخر الممر، ساندة على عصايتها اللي راسها فضة، ووشها قلب ألوان لما شافتني. كريمة كانت واقفة عند الدولاب، مبرقة ومصدومة من كمية الغل والقتل اللي طالعة من عيني.
"إلياس؟" كريمة شهقت بخوف. "أنت.. أنت المفروض تيجي كمان ساعة."
"أنا لقيت الفريزر الأولاني يا فوزية،" قلت وصوتي طالع بارد زي التلج.
فوزية ضغطت على سنانها وعصايتها، وقالت بكبرياء: "أنت مالكش دعوة باللي بيحصل في بيتي يا زبالة.. أنا بربي حفيدتي، بنت قليلة الأدب زيك."
"وبعدين،" كملت وأنا بخطي خطوة واحدة بطيئة لقدام، والعتلة بتلمع في النور الضعيف. "كسرت القفل اللي على الفريزر التاني."
الدم هرب من وش فوزية فوراً. "الهانم" القوية بقت فجأة ست عجوزة ومرعوبة. كريمة طلعت منها صرخة مكتومة ووقعت في الأرض وهي بتترعش، عرفت إن اللعبة انتهت خلاص.
"الأمن الوطني في الطريق لهنا يا فوزية،" كملت وأنا بقرب منها خطوة بخطوة. "جايين عشان العظم اللي متغطي بالبلاستيك.. وجايين عشان الفلوس اللي كنتي بتقبضيها على الأطفال اللي قتلتيهم.. وجايين يهدوا العزبة دي على دماغكم."
"كريمة! اضربيه بالنار!" صرخت فوزية وهي بتفقد أعصابها تماماً وبترفع عصايتها كأنها بتحمي نفسها من غضب ربنا.
لكن كريمة متحركتش. فضلت تعيط بهستيريا على الأرض، مشلولة من الرعب.
وقفت قدام الست اللي حبست بنتي في التلاجة. بصيت في عينيها المرعوبة. ممدتش إيدي عليها. مكنتش محتاج. وقفت قدامها زي جبل من الانتقام، حابسهم في بيتهم اللي كان "بيت رعب" للكل. وفي