​"الناس في البلد كانوا بيحلفوا بحياة (الحاجة فوزية) وبتقواها، بس مكنش حد يعرف إن "التقوى" بتاعتها محتاجة درجة حرارة (18 تحت الصفر) عشان تعيش.. مكنتش أعرف إني هفتح فريزر اللحمة عشان استلم بنتي "جثة "

لمحة نيوز

"الناس في البلد كانوا بيحلفوا بحياة (الحاجة فوزية) وبتقواها، بس مكنش حد يعرف إن "التقوى" بتاعتها محتاجة درجة حرارة (18 تحت الصفر) عشان تعيش.. مكنتش أعرف إني هفتح فريزر اللحمة عشان استلم بنتي "جثة متلجة" بدل ما استلمها في حضني…………

​الجزء الأول: الفريزر المغلق

​كان الجو في "عزبة" العائلة بالشرقية خانقاً، رطوبة الصيف تكتتم الأنفاس وكأنها بطانية صوف ثقيلة. كنت أسير بسيارتي النصف نقل القديمة في الممر الترابي الطويل، وأسناني تجز على بعضها من شدة الغيظ، والغبار الأحمر يغطي كل شيء حولي. لم أكن هناك برغبتي، لولا حكم "قاضي الأسرة" المرتشي الذي سمح لي بساعة واحدة فقط لاستعادة أدواتي وملابسي من بيت "كريمة" طليقتي.

​كان من المفترض أن تكون "كريمة" وأمها "الحاجة فوزية" في مولد القرية، يوزعون الابتسامات المزيفة والتقوى المصطنعة على الناس، بينما هم في الحقيقة يدمرون علاقتي بابنتي "ليلى" ابنة الثماني سنوات.

​دخلت البيت الكبير، كان صامتاً كالمقابر. تفوح

منه رائحة "بخور" قديم ممزوج برائحة السجائر ورطوبة الجدران المتهالكة. لم أقف في الصالة، بل توجهت مباشرة نحو السرداب (البدروم) حيث وضعت أغراضي. نزلت الدرج الخشبي المتهالك وأنا أشعل المصباح الوحيد الذي يتأرجح في السقف.

​كان البدروم بارداً جداً، جدرانه ترشح مياه جوفية. وبينما كنت أتجه نحو صندوق عدتي، توقفت مكاني وكأن صاعقة ضربتني.

سمعت صوت خربشة.. خربشة منتظمة ويائسة.

​تجمدت في مكاني. كان هناك "ديب فريزر" ضخم من الأنواع القديمة، صوته عالٍ ومزعج. الخربشة كانت تأتي من داخله. حاولت إقناع نفسي أنه فأر محبوس، أو صوت الموتور، لكن الإيقاع كان بشرياً.. مرعوباً.

​اندفعت نحو الفريزر، كان الباب ثقيلاً جداً وكأن الثلج لحمه بالجسم. غرزت أصابعي بكل قوتي ورفعت ظهري حتى كاد ينكسر، وبصوت تمزق مرعب، انفتح الباب وخرجت سحابة ضخمة من البخار الأبيض البارد.

ما رأيته بالداخل شل حركتي تماماً.

​كانت ابنتي "ليلى" مكومة في وضع الجنين، محشورة بين أكياس اللحم المجمد

والخضروات. جلدها كان بلون السيراميك الأبيض الشاحب، وجفون أصابعها وأطراف رموشها غطاها الثلج. كانت ترتدي فستاناً صيفياً خفيفاً جداً.

​"ليلى!" صرخت والوجع يمزق حنجرتي. غرزت يدي في البرودة القاتلة وسحبت جسدها المتصلب. كانت خفيفة بشكل مرعب وكأن البرد امتص لحمها. ارتميت بها على الأرض، خلعت "جاكت" الشغل الثقيل ولففتها به وأنا أبكي بحرقة ونار.

​الجزء الثاني: التابوت الثاني

​"بابا.." همست بصوت مكسور بالكاد يُسمع.

سحبتها لحضني أحاول تدفئتها بجسدي وهي ترتجف بشكل هستيري. كانت شفايفها زرقاء تماماً، وأظافرها بلون الموت.

​"أنا معاكي يا حبيبتي.. متخافيش، هاخدك المستشفى فوراً، أنتي في أمان."

​هزت "ليلى" رأسها بضعف، ونظرت لي بعيون مليئة برعب لم أره في حياتي.

"تيتة فوزية هي اللي حبستني.. بتقولي لما بتشيطني لازم تدخلي هنا عشان الأفكار الوحشة تتجمد وتموت."

​الكلمة وقعت عليّ كالقنبلة. طوال سنة من قضايا الحضانة، كانوا يصورونني أمام المحكمة بأنني "عسكري سابق"

غير متزن وعنيف، واستغلت "فوزية" نفوذها وفلوسها لتاخذ الحضانة. كنت أشك في إهمالهم، لكن لم أتخيل أبداً أن هذه "الحاجة" التقية تعذب ابنتي في ثلاجة تحت الأرض.. و"كريمة" أمها كانت تعرف وتسكت!

​وقفت وحملت "ليلى" بين ذراعي، وكان الغضب داخلي قد تحول إلى برود قاتل. كنت أنوي الخروج فوراً إلى مركز الشرطة، ولكن..

​أثناء التفافي، لمح بصري شيئاً يلمع في الركن المظلم والبعيد من البدروم.

​دققت النظر.. كان هناك فريزر ثانٍ. موديل قديم جداً وعليه آثار صدأ برتقالية. لكن هذا الفريزر كان صامتاً، وسلك الكهرباء مقطوعاً ومرمياً على الأرض.

لكن، كان هناك قفل نحاسي ضخم وثقيل جداً يغلق باب الفريزر بإحكام.

​خطوت خطوة مترددة نحوه، فجأة شعرت بـ "ليلى" تتصلب في حضني وتغرس أظافرها في كتفي برعب مضاعف.

​"متفتحش ده يا بابا.." همست وهي تخفي وجهها في رقبتي وتنتفض. "أرجوك بلاش."

​"ليه يا بنتي؟" سألتها بذهول.

​بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت يرتعش: "عشان تيتة بتقول إن ده

المكان اللي بيروح فيه الناس اللي مش بيرجعوا تاني أبدأ…………….

تم نسخ الرابط