تعملى ايه لو اكتشفتِى أن الوش اللي بتشوفيه كل يوم في المراية، فيه وش تاني زيه بالظبط، عايش بعيد عنك بآلاف الكيلومترات؟ في يوم قابلت نسختي التانية في كافيه بعد ما عيشت سنين على كذبة

لمحة نيوز

نادية.. ليلى.. ومشيرة.

​وجنبهم ورقة بخط إيد أمي، عبارة عن اعتراف لربنا: "الدكتور قال مش هنقدر نربي التلاتة.. الفقر كسر ضهرنا والبيت أوضة وصالة ومافيش حتى تدفئة. اخترنا الاتنين اللي صحتهم أحسن (أنا وليلى)، وسلمنا التالتة لدار الأيتام عشان تعيش. يا رب سامحنا على الاختيار ده."

​قعدت على الأرض أبكي. حياتي أنا وليلى كانت "تمن" نفي "مشيرة".

بس السؤال اللي لسه بيحرق قلبي: إذا كانت مشيرة هي اللي اتباعت يوم الولادة.. ليلى اللي اختفت من الصالة قدام عيني راح فين أثرها؟!

عملنا تحليل DNA ……

الرسالة جاتلي يوم تلات—نفس اليوم اللي "ليلى" اختفت فيه زمان.

فتحت النتيجة وأنا إيدي بتترعش: "صلة القرابة: أشقاء. نسبة التأكد: 99.9%."

​العلم قطع الشك باليقين، "مشيرة" هي أختي فعلاً. بس الفرحة كان فيها غصة.. لو إحنا كنا تلاتة، ومشيرة هي اللي اتباعت يوم الولادة، يبقى مين اللي "جثتها لقوها في الغابة" سنة 1957؟ ليلى لسه هي اللغز الأكبر في حياتي.

قررت ما أسكتش. رحت الأرشيف في بلدنا القديمة وجبت باحث متخصص في القضايا القديمة. قولت له: "مش عايزة حكاوي، أنا عايزة شهادة وفاة رسمية لـ ليلى المنصوري".

​بعد أسبوعين كلمني وصوته كان

مهزوز: "يا ست نادية، أنا قلبت السجلات من 1957 لـ 1960.. مافيش أي سجل لوفاة بنت بالاسم ده. ولا حتى فيه محضر بوليس بيقول إنهم لقوا جثة. المحضر الوحيد كان 'بلاغ اختفاء' واتقفل بعد 6 شهور لعدم كفاية الأدلة."

​الهوا طار من صدري.. أبويا وأمي كذبوا عليا. ليلى ماماتتش، هما ألفوا القصة دي عشان أبطل أسأل، وعشان الناس تبطل تدوّر.

الفصل الثامن: اجتماع الشمل في خريف العمر

​بعد شهر، مشيرة جاتلي البيت. لما نزلت من الطيارة ما شوفتش واحدة غريبة، أنا شوفت "معجزة". حضنّا بعض وقت طويل، ريحة عطرها اللافندر اختلطت بريحة صابوني.. ريحة واحدة لجسد اتقسم نصين.

​قعدنا أسبوع نحكي.. عن الأفراح، والولادات، وتفاصيل 70 سنة فاتوا. مشيرة قالت لي: "أنا عمري ما كنت ضايعة يا نادية، أنا كنت في 'حتة تانية'. وإنتي عمرك ما كنتِ لوحدك، كنتِ بس مستنية الحقيقة تحصلك."

الفصل التاسع: البحث عن "الأخت الثالثة"

​بقينا أنا ومشيرة "مخبرين بلسن". قضينا أيامنا قدام اللاب توب بندور في مواقع الأنساب.

مشيرة قالت لي وعينيها فيها لمعة ذكاء: "تفتكري يا نادية، زي ما سلموني لدار أيتام وأنا مولودة، ممكن يكونوا سلموا 'ليلى' لناس تانية وهي عندها 5 سنين؟ يمكن

لقمة العيش كانت مرة، أو حد من القرايب ماكانش بيخلف وخدها؟"

​الفكرة كانت مرعبة.. إن "الاختفاء" يكون مجرد "تمثيلية" اتعملت قدام طفلة عندها 5 سنين عشان يبرروا غياب أختها للأبد.

الفصل العاشر: ميراث الصمت

​واحنا بنتمشى في النادي، مشيرة حكت لي إنها هي كمان عاشت طول عمرها حاسة بـ "فراغ". كانت تقعد قدام المراية وتحاول تتخيل وش شبه وشها، وتسأل نفسها: "يا ترى أمي بتفتكرني لما تشوف بنت في سني في الشارع؟"

​اكتشفنا حاجات غريبة ومذهلة.. إحنا الاتنين عندنا نفس الحركة لما نتوتر (بنلف دبلة الجواز في صباعنا). إحنا الاتنين بنخاف من الميّة الغريقة وبنعشق ريحة الكتب القديمة.

الفصل الحادي عشر: العربية السوداء

​رجعت أنا ومشيرة للبيت القديم في القرية، ورحنا المكتبة العامة. هناك قابلنا ست عجوزة كانت شغالة زمان، سألناها عن "اختفاء بنت المنصوري".

​قالت لنا: "كان وقت غريب.. أهلك كانوا ساكتين بزيادة. الناس كانت بتهلفط إنهم عارفين أكتر م م اللي بيقولوه. وفيه ناس حلفوا إنهم شافوا 'عربية سوداء' وقفت قدام البيت ليلة ما البحث وقف.. عربية غريبة مش بتاعة الحكومة ولا البوليس."

​العربية السوداء دي أكدت لي أسوأ ظنوني: ليلى ماماتتش، ولا

اتخطفت.. ليلى "اتسلمت" لإيد تانية بـ "اتفاق سري".

بالبحث في أرشيف القرية وكلام العواجيز، ظهر خيط "العربية السوداء" التي وقفت أمام بيتنا ليلة اختفاء ليلى. لم تكن سيارة شرطة، بل كانت سيارة "الست هانم".. عمتي الغنية التي حرمت من الإنجاب.

الفصل الرابع: المواجهة الأخيرة

​وصلنا لبيت في "مصر الجديدة"، بيت يسكنه الصمت والفخامة. وهناك، رأينا النسخة الثالثة. امرأة تدعى "هالة"، تعيش في عزٍّ ارستقراطي، لكن في عينيها انكسار غريب.

​واجهناها بالحقيقة، فانهارت "هالة" أو "ليلى" الحقيقية. حكت لنا كيف أن والدنا، في لحظة يأس وفقر سنة 1957، عقد صفقة مع شقيقته: "خذي ليلى ربيها كابنة لكِ، وسددي ديوني التي كانت ستلقي بي خلف القضبان". أخرجت لنا ليلى من خزنتها "الكرة الحمراء" التي ظلت محتفظة بها لسبعين عاماً.. الرابط الوحيد الذي لم يقطعه قرار الأب القاسي.

الخاتمة: لَم شمل الشتات

​اليوم، نجلس نحن الثلاثة؛ نادية، ومشيرة، وليلى. سبعون عاماً من الكذب، والبيع، والشراء، لم تستطع أن تكسر "مغناطيس الدم". والدي باعنا ليعيش، لكن الحقيقة كانت أقوى من البيع.

​أنا الآن في الثالثة والسبعين، ولأول مرة، لست "نصف إنسان".. أنا الآن جزء من

"ثلاثية" اكتملت، والكرة الحمراء التي بدأت رحلة الشتات، استقرت أخيراً في حضننا جميعاً.

تم نسخ الرابط