“وعدت مراتي وهي بتموت إني أحمي بنتنا مهما حصل و يوم فرحها عرفت سر عمرى ما كنت اتخيله

لمحة نيوز

بدأتُ أقول ونبضي يتسارع: "منصور، أنت تخيفني".

قال بهدوء: "جيد، يجب أن تخاف. لكن ليس مني.. ليس مني أبداً".

​نظر في عيني مباشرة، وللحظة رأيت الوعد الذي كان يحمله ، في تلك اللحظة علمت أن هناك شيء أعمق من مجرد عمل. 

منصور لا يخاف بسهولة، ولا يفتعل المشاكل. إذا كان يتصرف هكذا، فهذا يعني أن الخطر حقيقي ……..

​قال مرة أخرى: "اركب.. ليس لدينا متسع من الوقت".

​انطلقت السيارة، وظللتُ تحت الغطاء لعدة دقائق وقلبي يقرع طبول الحرب.

فجأة، توقفت سيارة أخرى في الممر الحصوي أمام المنزل. من خلال فجوة صغيرة في الغطاء، رأيتُ سيارة العريس تقف.

فتح باب السائق، ثم باب الراكب.. وانزلق شخص ما إلى المقعد الأمامي في سيارتنا.

​إنه "زياد".. زوج ابنتي المستقبلي.

​قال زياد بلهجة عادية: "صباح الخير يا منصور".

أجابه منصور بهدوء تام: "صباح الخير يا سيد زياد".

​أخرج زياد هاتفه واتصل برقم ما. بمجرد أن أجابت أمل، تغيرت نبرة صوته فوراً؛ أصبحت دافئة، مليئة بالحب والحنان.

قال بهدوء: "أهلاً يا جميلتي.

. هل استطعتِ النوم؟"

كاد يمكنني سماع ضحكة ابنتي على الطرف الآخر وهي تقول: "بالكاد.. اليوم هو اليوم المنتظر".

همس زياد: "سيكون أجمل يوم في حياتي".

​ش شعرتُ بغصة في صدري من شدة تأثري بكلماته.. حتى أغلق الخط.

في اللحظة التالية مباشرة، أجرى مكالمة ثانية. لكن الصوت الذي خرج منه هذه المرة كان بارداً كالثلج.

قال باقتضاب: "نعم.. كل شيء يسير حسب الجدول".

سكت قليلاً ثم قال: "ثلاثة أشهر.. لن نتحرك قبل ذلك.. حتى ننتهي من كل شيء".

​سقط قلبي في قدمي. عماذا يتحدث هذا اللعين؟

ثم ارتمى زياد بظهره على المقعد وقال جملة جعلت الدماء تجمد في عروقي:

"إنها مغفلة تماماً.. لا تدرك شيئاً مما يحدث".

​لم يرد منصور، لكني رأيت قبضته تشتد على عجلة القيادة.

​بعد عشرين دقيقة، توقفت السيارة في شارع ضيق لم أعرفه من قبل. لا قصور، لا حدائق، فقط صفوف من البيوت القديمة والمتلاصقة. توقفنا أمام بيت بائس، طلاؤه متقشر وصندوق بريده مائل، كُتب عليه:

"عائلة نصار"

​ترجل زياد من السيارة. تسارعت أنفاسي.. وفجأة

انفتح باب البيت وخرجت طفلة صغيرة — ربما في الرابعة من عمرها — تركض حافية القدمين عبر العشب.

صرخت وهي تقفز نحوه: "بابا!"

​التقطها زياد في أحضانه فوراً وهو يضحك. كانت ضحكة حقيقية، ضحكة شخص مرتاح تماماً، شخص في بيته وبين أهله.

قبل شعرها وقال: "أهلاً يا حبيبة بابا".

ثم ظهرت امرأة عند الباب، في أواخر العشرينيات، تبدو متعبة وتحمل رضيعاً على كتفها.

​شعرتُ وكأن صدري قد انهار للداخل.

التفت زياد قليلاً، وهنا رأيت شاشة هاتفه تضيء برسالة نصية. أمال منصور مرآة الرؤية الخلفية ببطء حتى أتمكن من قراءتها. كانت ثلاث جمل بسيطة ومرعبة:

​"بمجرد إتمام الزفاف، سيصبح الميراث مضموناً."

"الطلاق بعد ثلاثة أشهر."

"وبعدها.. سنختفي تماماً."

التوقيع: أمي.

​كاد يغمى عليّ من شدة الصدمة. الأمر لم يكن مجرد صدمة، ولم يكن مجرد كذب.. كان يخطط للزواج من ابنتي من أجل ثروتها، ثم تحطيمها وهجرها.

​قاد منصور السيارة بعيداً بهدوء بمجرد دخول زياد إلى البيت. ظل الصمت سيد الموقف لدقائق، حتى سحبت الغطاء عن

رأسي.

سألتُه بصوت مخنوق: "منذ متى وأنت تعرف؟"

قال منصور بهدوء: "منذ ثلاثة أسابيع".

"ولماذا لم تخبرني فوراً؟"

"لأننا كنا بحاجة إلى دليل دامغ".

​ناولني ملفاً صغيراً. في الداخل كانت توجد صور، رسائل، وسجلات بنكية. كل شيء كان هناك. عملية نصب مدروسة بعناية. ابنتي لم تكن ستتزوج رجلاً، بل كانت ستتزوج محتالاً.. وكنتُ أنا من سيسلمها له بيدي.

​بدأ الزفاف في الساعة الرابعة عصراً.

ملأ الضيوف الحديقة، والموسيقى تملأ الأرجاء. سارت أمل نحوي بفستان زفافها الأبيض.. كانت تشع أملاً وثقة.

همست لي: "أبي.. هل أنت مستعد؟"

​نظرتُ إليها وشعرتُ بوصية ليلى تتردد في أعماق صدري: "احمِ ابنتنا يا بدر.. مهما حدث".

أمسكتُ ذراع أمل. وسرنا معاً في الممر.

كان زياد ينتظر عند المنصة بابتسامة واثقة وعريضة.

​وبينما بدأ المأذون (أو القس) المراسم، رفعتُ يدي مقاطعاً وقلت بهدوء:

"قبل أن نستمر.. هناك شيء يجب على الجميع رؤيته".

​تقدم منصور للأمام، وأعطى الميكروفون لـأمل.. ومع الميكروفون، سلمها ذلك الملف.

ساد صمت مطبق في الحديقة وهي تبدأ بالقراءة..

​أما التعبير الذي اعتلى وجه زياد في تلك اللحظة...

فقد كان التعبير الذي جعلني أوقن أنني أخيراً.. قد وفيت بوعدي لـليلى.

تم نسخ الرابط