“وعدت مراتي وهي بتموت إني أحمي بنتنا مهما حصل و يوم فرحها عرفت سر عمرى ما كنت اتخيله
“وعدت مراتي وهي بتموت إني أحمي بنتنا مهما حصل و يوم فرحها عرفت سر عمرى ما كنت اتخيله…………"
يوم الزفاف الذي غيّر كل شيء
استيقظتُ قبل رنين المنبه، هكذا نفعل في الأيام الفاصلة؛ وكأن الجسد يمتلك ساعته الخاصة التي لا تأبه بالنوم، بل بالنتائج والعواقب.
للحظة، استلقيتُ هناك في ضوء الفجر الخافت، أصغي لأنفاس البيت. طنين المكيف الذي يهدأ ثم يعود، وهمهمة الثلاجة في الطابق السفلي. وفي الخارج، أطلق عصفور زقزقة حادة ونقية، وكأن العالم قد قرر بالفعل أنه سيكون يوماً جميلاً، بغض النظر عما يحدث داخل صدري.
دون تفكير، مددتُ يدي عبر السرير، لتنزلق أصابعي في الفراغ البارد حيث كانت زوجتي "ليلى" تنام.
لقد مرت خمس سنوات، وما زلت في بعض الصباحات أتوقع الدفء. لا زلت أظن أن أصابعي ستلامس كتفها، أو انحناءة ظهرها، أو تسمع تنهيدتها المألوفة حين أسرق منها الغطاء. لم يحدث ذلك أبداً بالطبع، فجانبها من السرير ظل دائماً فارغاً، لكن العادة عنيدة.. والحب أعند.
همستُ للغرفة الساكنة: "إنه اليوم الكبير يا حبيبتي"، وشعرتُ أن الكلمات سخيفة وضرورية
في آن واحد.لو كانت ليلى هنا لضحكت مني لأنني أحادث وسادة خالية.
اسمي بدر المنصور. أبلغ من العمر اثنين وستين عاماً. بنيتُ شركتي من الصفر حتى أصبحت شيئاً يوفر نوع الحياة التي تتسابق المجلات لتصويرها: القصر الذي يعتلي التلة، الحدائق المنسقة، وقائمة ضيوف تعج بأسماء يعرفها الجميع. كنت أجيد التفاوض على العقود، وتهدئة المستثمرين، وادعاء اليقين حين لا أشعر به.
لكن ما لم أتعلمه — وما لا يعلمه لك أحد — هو كيف يكون "أبو العروس" وأنت في الوقت نفسه أرمل المرأة التي كان ينبغي أن تقف بجانبك الآن.
نظرتُ إلى البدلة المعلقة على باب الخزانة.
لونها كحلي كلاسيكي. النوع الذي كانت ليلى ستوافق عليه لأنها تؤمن بالأناقة التي لا يحدها زمن. اخترناها معاً قبل ثلاثة أشهر، حين وقفتُ في محل الخياط مشتتاً بين عينات القماش ومخزون عواطفي.
كانت ستقول لي: "اختر الكحلي فحسب، وتوقف عن التصرف وكأن العالم سينتهي لو اخترت درجة خاطئة من الأزرق".
كانت يداي ترتجفان قليلاً وأنا أغلق أزرار قميصي، ليس بسبب العمر . بل غريزة كأن جسدي يعرف شيئاً لم يستوعبه
عقلي بعد….أما ابنتي "أمل" بقيت في شقتها مع وصيفاتها ليلة أمس، التزاماً بالتقاليد التي تمنع العريس من رؤية عروسه…….
كانت شركة التجهيزات قد نصبت الخيام بالأمس. القماش الأبيض يلمع فوق العشب الأخضر مثل وعد جميل. الطاولات مرتبة، الكراسي مصطفة، والفوانيس معلقة في صفوف أنيقة. كل شيء جاهز للضحك والموسيقى.. كل شيء جاهز لفرحة ابنتي.
"تأملتُ سعادة ابنتي مع 'زياد' التي أعادت لها الحياة بعد رحيل والدتها، مستحضرًا وعدي الأخير لزوجتي بحمايتها مهما كلف الثمن. لكن قطع حبل ذكرياتي صوتُ وصول السيارة في موعدٍ مريب، لتبدأ لحظة الاختبار الحقيقي لهذا الوعد."
كانت الساعة السادسة وخمس وخمسون دقيقة صباحاً.
لم يكن من المفترض أن يصل "منصور" حتى السابعة والنصف. لقد راجعنا الجدول عشرات المرات. سيقودني إلى المسجد في الثامنة، ليعطيني وقتاً للهدوء، للتنفس…..
لكن ها هي سيارته السوداء تقف في المدخل قبل الموعد بخمس عشرة دقيقة.
كان رد فعلي الأول هو الانزعاج ، ثم رأيت منصور يترجل من السيارة.
كان يتحرك بسرعة، والطريقة التي يتحرك بها
منصور كان يعمل مع عائلتنا منذ عشرين عاماً. هو من قاد السيارة بـليلى إلى المستشفى ليلة ولادة أمل. وهو من قادني إلى نفس المستشفى في الليلة التي لم تعد فيها ليلى إلى البيت.
حمل أكياس البقالة، والأمتعة، والحزن، والأسرار دون تذمر. إذا كان هناك شخص في عالمي أثق به بجانب ابنتي، فهو منصور.
ولم أره أبداً خائفاً من قبل.
ليس متوتراً.. بل خائفاً.
الخوف الحقيقي جعل وجهه مشدوداً، وفكه متصلباً، وعينيه حادتين ومراقبتين. نظر فوق كتفه نحو الأشجار ومدخل القصر وكأنه يتوقع أن يراقبه أحد. يداه انقبضتا ثم استرختا، ثم انقبضتا مجدداً وكأنه يجبر نفسه على التماسك.
ناديتُه وأنا أخطو نحو الشرفة الأمامية: "منصور؟ هل كل شيء بخير؟"
قطع المسافة نحوي بسرعة، بسرعة كبيرة لرجل اعتاد التحرك بصمت وصبر. وعندما وصل إليّ، خفض صوته بشدة.
قال: "سيد بدر، أحتاج منك أن تثق بي".
رددتُ آلياً: "بالطبع أثق بك، ماذا يحدث؟ هل هي أمل؟ هل أصابها مكروه؟"
قاطعني بسرعة: "لم تُصب بأذى.. ليس بعد".
"ليس بعد".
الكلمتان كانتا صغيرتين،
فتح منصور الباب الخلفي للسيارة وقال: "اركب السيارة، أرجوك".