"النهاردة كان ذكرى اختفاء بنتي الـ 15.. دخلت عليا الطوارئ طفلة صغيرة بين الحياة والموت، مكنتش أعرف إني وأنا بنقذ حياتها، كنت بفتح باب لسر مدفون تحت الأرض من سنين!"
النهاردة كان ذكرى اختفاء بنتي ال 15.. دخلت عليا الطوارئ طفلة صغيرة بين الحياة والموت، مكنتش أعرف إني وأنا بنقذ حياتها، كنت بفتح باب لسر مدفون تحت الأرض من سنين!
اختفت ابنتي ليلى وهي في العاشرة من عمرها، ومنذ ذلك اليوم انقسمت حياتي إلى نصفين ما قبل اختفاء ليلى، وكل ما جاء بعده.
كان صباح يوم خميس عادياً جداً. جهزتُ لها حقيبة طعامها، وسويتُ لها شعرها بالطريقة التي تحبها، وطبعتُ قبلة على وجنتها عند باب المنزل. مشت في الممر وهي تأرجح حقيبتها، ثم التفتت مرة واحدة لتلوح لي بيدها مودعة.. كانت هذه آخر مرة أراها فيها.
حلّ المساء ولم تعد. كانت مدرستها لا تبعد سوى خطوات، وهي معتادة على العودة سيراً، لذا حاولت إقناع نفسي بأنها تأخرت قليلاً. لكن مع مرور الساعات، تحول القلق إلى جمرة تحرق صدري.
استمرت فرق البحث لأسابيع ثم لشهور. عثروا أخيراً على حقيبتها المدرسية ملقاة بالقرب من المقابر القديمة، حيث دُفن والدها قبل اختفائها بعامين. ظننا حينها أنها ذهبت لزيارته كما كانت تفعل سراً أحياناً.. ولكن بعد ذلك؟ لا شيء. لا أثر، ولا إجابة تشفي الغليل.
رغم مرور السنوات وإعلان السلطات رسمياً أنها مفقودة، إلا أنني لم أقبل الحقيقة أبداً.
بقيت أبحث عنها طويلاً بعد أن توقف الجميع. كنت أدرس وجوه الغرباء في المحال التجارية، في الشوارع، وفي كل مكان أذهب إليه. كنت مقتنعة أنني سأراها يوماً ما. لكنني لم أفعل.. ليس لسنوات طويلة.
لكي أنجو من وجعي، عدت للدراسة وأصبحت ممرضة، واخترت تحديداً قسم العناية المركزة للأطفال؛ لأنني لم أكن أطيق فكرة أن يواجه طفل خطراً دون أن أكون هناك لأقاتل من أجله. كان زملائي يعرفون أنني فقدت ابنة، لكن ما لم يعرفوه هو أنني كنت أبحث عنها في وجه كل طفل يدخل من تلك الأبواب.. كنت أنتظر معجزة.
مرّت خمسة عشر عاماً. وفي ذكرى اختفاء ليلى، فعلت ما أفعله دائماً
وفجأة، دخلت الطوارئ طفلة في الخامسة من عمرها تُدعى نور وفى هذه اللحظة انقلبت حياتى رأسا على عقب..
نور سقطت من أرجوحة واصطدم رأسها بقوة، وكانت حالتها حرجة جداً عند وصولها. عملنا بسرعة فائقة، وبعد أربعين دقيقة من القتال المرير، استقرت علاماتها الحيوية. لقد نجت.
حينها فقط، نظرت بتمعن إلى وجهها.. وتوقف قلبي عن الخفقان.
كانت تملك شفتي ليلى، نفس الشعر الداكن، ونفس ملامح الوجه الرقيقة. كانت نسخة طبق الأصل من ابنتي في ذلك العمر. اضطررت للاستناد إلى الحائط لكي لا أسقط. ثم فتحت نور عينيها، نظرت إليّ مباشرة وقالت بصوت خافت
أنتِ تشبهين أمي كثيراً..
عجزت عن الكلام. ضغطت على يدها وحاولت رسم ابتسامة وسط ذهولي. وقبل أن أستجمع قواي، اندفعت أبواب العناية المركزة بقوة.
اللحظة التي غيرت كل شيء
صرخت امرأة وهي تبكي دعوني أرى ابنتي! لا يهمني أي قوانين.. أريد رؤيتها!
التفتُّ.. وكانت الصدمة.
المرأة الواقفة هناك كانت ليلى.
أكبر بخمسة عشر عاماً، لكنها هي دون أدنى شك. نفس العينين، نفس تعابير الوجه، ونفس الطريقة التي تميل بها برأسها.
همستُ بصوت مرتجف لا.. مستحيل..
نظرت إليّ المرأة بحيرة وقالت هل التقينا من قبل؟
سألتها وصوتي يهتز ما اسمك؟
أجابت اسمي ليلى.
دارت الدنيا بي، وأظلمت الرؤية.. وسقطتُ مغشياً عليّ.
عندما أفقت، وجدت نفسي في غرفة جانبية، وأخبرني زملائي أنني فقدت الوعي من الصدمة. سألت بلهفة هل ما زالت هنا؟
قالوا إنها تنتظر في الخارج.
دخلت ليلى بهدوء وجلست أمامي. شكرتني بحرارة لأنني أنقذت حياة ابنتها نور، وأوضحت أنها كانت في المطبخ عندما تلقت الخبر الفاجع. ثم سكتت قليلاً ونظرت إليّ بعمق، وكأنها بدأت تدرك شيئاً ما.. شيئاً فُقد منذ خمسة عشر عاماً.
سألتني ليلى مرة أخرى بنبرة يملؤها الشك هل التقينا من قبل؟
لم أتمالك نفسي، وأخبرتها بكل
عندما انتهيت، ساد صمت ثقيل في الغرفة. نزعت ليلى من رقبتها قلادة دلاية قديمة ومتهالكة، ووضعتها على الطاولة أمامي وقالت بصوت خافت
هذه القلادة معي منذ أن وعيت على الدنيا.. لا أعرف من أين أتت، ولكن انظري ما بداخله.
فتحتُ القلادة بيدين ترتجفان، وكدت أصعق.. كان محفوراً بالداخل اسم ليلى، وبخط يد زوجي الراحل تماماً كما أتذكره.
بدأت ليلى تسرد لي ما تعرفه عن ماضيها، وهو قليل جداً. قالت إنها استيقظت قبل خمسة عشر عاماً في منزل غريب مع زوجين لا تعرفهما، ولم تكن تتذكر أي شيء عن حياتها السابقة. كانت تلك القلادة هي الشيء الوحيد الذي تملكه، ومن الاسم الذي بداخلها اختاروا لها اسمها ليلى.
كانت تتذكر شذرات متقطعة فقط مقبرة، فراشة ملونة، صوت إطارات سيارة تصرخ على الأسفلت.. ووميض ضوء باهر. حينها، رُبطت كل الخيوط في رأسي؛ لقد تعرضت لحادث وفقدت ذاكرتها في ذلك اليوم المشؤوم.
كشف المستور
قلت لها بحزم تعالي معي.. يجب أن نتحدث مع الأشخاص الذين وجدوكِ.
ذهبنا إلى منزل ذلك الزوجين اللذين يعيشان خارج المدينة. عندما رأوني مع ليلى، شحبت وجوههما وتغيرت ملامحهما فوراً. في البداية حاولوا التهرب، لكن ليلى لم تترك لهم مجالاً. نظرت إليهم وقالت
أخبروني بصدق.. هل أنتم والداي الحقيقيان؟
انهارت المرأة بالبكاء، بينما استجمع الرجل شجاعته وتحدث أخيراً. اعترف بأنهما وجدا طفلة مصابة بالقرب من المقابر منذ خمسة عشر عاماً، وبدلاً من الاتصال بالشرطة، أصابهما الذعر. أخذاها إلى المستشفى وزعما أنها ابنتهما.
وعندما اكتشفا أنها فقدت ذاكرتها، أصبح التراجع عن الكذبة مستحيلاً مع مرور الأيام. لم تكن تملك أي أوراق ثبوتية سوى تلك القلادة. ومع الوقت، بدأت تناديهما ب أمي و
قالت المرأة وهي تكسر الصمت ببكائها لقد أحببناها حقاً.
وأضاف الرجل أعطيناها كل ما نملك.. لم نظن أبداً أن الحقيقة ستظهر بهذه الطريقة.
كنت أشعر بغضب عارم يغلي في عروقي، وفي نفس الوقت شعرت بخدر وصدمة. أما ليلى، فظلت واقفة صامتة تستوعب أن حياتها كلها كانت مبنية على كذبة.
بداية جديدة
قالت ليلى وهي تنظر إليّ لا أظن أن الغضب هو ما أشعر به الآن.. أحتاج لبعض الوقت، ولكن عليّ العودة لابنتي أولاً.
لاحقاً، تحدثنا عما سيحدث في المستقبل. أخبرتني ليلى بصراحة أن الزوجين اللذين ربياها سيظلان والديها بكل ما تحمله ذاكرتها من مشاعر، فهما من اعتنيا بها طوال تلك السنين.
قلت لها بقلب راضٍ أنا أتفهم ذلك تماماً.
حينها، أمسكت يدي بحنان وقالت لكنني أريدكِ في حياتي يا أمي.. أريدكِ أن تعرفي حفيدتكِ نور، وأريدها أن تعرفكِ.
كانت لمستها مألوفة جداً لدرجة جعلت صدري يضيق من فرط التأثر. همستُ لها هذا يكفيني.. هذا أكثر من كافٍ.
اللقاء الأول بالجدة
انتقلت الصغيرة نور إلى غرفة عادية في المستشفى. دخلت ليلى أولاً، عدلت غطاءها وجلست بجانبها.
قالت لها بلطف نور، حبيبتي.. هذا الشخص مميز جداً. إنها جدتكِ.
قطبت نور جبينها بدهشة وقالت جدتي؟ لكن لدي جدتان بالفعل!
ابتسمت ليلى وقالت نعم.. لكنها أمي أنا، وهذا يجعلها جدتكِ أيضاً.
فكرت نور للحظة، ثم نظرت إليّ وسألت ببراءة هل لهذا السبب تشبهين ماما؟ وهل ستظل جدتي الأخرى هي جدتي أيضاً؟
أجابتها ليلى نعم يا حبيبتي.
وقبل أن نسترسل في الشرح، مدت نور يدها الصغيرة بقطعة من البسكويت وقالت هل تريدين قطعة بسكويت يا جدتي؟
جلستُ بجانبها، والدموع تنهمر من عيني لكنها كانت دموع فرح هذه المرة شكراً يا حبيبة قلب جدتكِ.. سأحب ذلك جداً.
لقد قضيت خمسة عشر عاماً أبحث عن وجه ابنتي في وجوه