قبل ما بابا يموت بكام أسبوع، جالي واداني الصندوق ده.. وقالي خليه معاك في أمان، وما تفتحوش ولا تديه لمامتك إلا بعد وفاتي

لمحة نيوز

قبل ما بابا يموت بكام أسبوع، جالي واداني الصندوق ده.. وقالي خليه معاك في أمان، وما تفتحوش ولا تديه لمامتك إلا بعد من وفاتي
العشاء الأخير.. وسر الصندوق الخشبي
بدأ كل شيء بدعوة غير متوقعة في يوم ثلاثاء عادي.
ماما، تعالي اتعشي معانا يوم الجمعة.. هنقعد براحتنا، مفيش حد غريب.
كان صوت ابني مازن هادي، بنفس النبرة اللي اتعود يكلمني بيها من وقت وفاة والده رفعت.. نبرة فيها حذر شديد، كأني هشة وممكن أتكسر من أي كلمة. الحزن غيرنا كلنا، وأنا ما بقتش الست اللي كنت عليها زمان.
أنا عندي 63 سنة، ومش ضعيفة، بس الناس بدأوا يعاملوني كأني زجاج خايفين عليه من الشرخ بعد صدمة موت رفعت المفاجئة بأزمة قلبية. البيت اللي ربينا فيه ولادنا بقى واسع زيادة عن اللزوم.. وفاضي. ضحكة رفعت، صوت خبط المعالق، تقليبه لجريدة الصبح.. كل ده بقى مجرد ذكريات بعيدة.
مر سنتين على اليوم اللي لقيته فيه واقع في الأرض وهو ماسك جوانتي الشغل بتاعه في جنينة بيتنا.. راح في لحظة.
لما وصلت بيت مازن يوم الجمعة، كنت شايلة صينية بسبوسة لسه طالعة من الفرن، بس أول ما دخلت شميت ريحة توتر في الجو. نهى زوجة ابني استقبلتني بابتسامتها المعتادة، بس عينيها كانت باردة وقالت لي ليه تعبتي نفسك يا طنط؟ إحنا عملنا الحلو خلاص.
دخلت الصالة، كانت هادية بزيادة، مفيش صوت ل ليلى حفيدتي. نهى قالت لي إنها عند صاحبتها، وإن السهرة النهاردة للكبار بس.
لما دخلنا أوضة السفرة، جسمي قشعر..
السفرة كانت متحضرة بأطقم شيك جداً، بس كان فيه حاجة غلط.. كان فيه 4 أطباق.
فيه مكان محجوز.. مكان رفعت في صدر السفرة، كأنه لسه موجود.
بصيت لمازن وقلت وصوتي بيترعش يا مازن، ليه فيه أربع كراسي؟
وش مازن بقى لونه باهت، ونهى حطت إيدها على بوقها بصدمة. مازن قرب مني وقال بصوت واطي
ماما.. فيه حاجة إحنا ما قولنالكيش عليها.. بخصوص بابا.
الدنيا بدأت تلف بيا.. قصدك إيه؟
نهى دخلت بسرعة وجابت صندوق خشب قديم.. صندوق رفعت اللي كان شايل فيه أدوات الصيد بتاعته من سنين.
مازن قال لي قبل ما بابا يموت بكام أسبوع،

جالي واداني الصندوق ده.. وقالي خليه معاك في أمان، وما تفتحوش ولا تديه لمامتك إلا بعد سنتين من وفاتي.
فتحنا الصندوق.. كان فيه صور، وورق، وجواب بخط إيد رفعت.. خطه اللي كنت حافظاه زي اسمي.
الجواب كان بيقول عزيزتي بثينة.. لو بتقرئي الكلام ده، فأنا خلاص مش موجود. أنا آسف على كل كذبة، وآسف على السر اللي هتعرفيه. حبنا كان حقيقي، وحياتنا كانت حقيقية، بس ماضيّ كان ملك لشخص تاني خالص. احرقي كل اللي في الصندوق ده بعد ما تشوفي الورق.. ما تثقيش في حد، والأهم، ما تخليش هم يعرفوا إنك عرفتي.. حياتك في خطر. ر.
قلبي كان بيدق زي الطبل.. طلعت صورة من الصندوق.. كانت لرفعت وهو لسه شاب، لابس بدلة غالية جداً وواقف قدام قصر فخم، وجنبه ست مش عارفاها متغطية بالألماظ. ورا الصورة مكتوب جاردن سيتي ١٩٨٢.
بعدها ورقة تانية.. قصاصة من جريدة قديمة عنوانها اختفاء وريث عائلة السيوفي في ظروف غامضة.. وشبهة جنائية تحوم حول الحادث. وتحت العنوان صورة الشاب اللي هو رفعت بس باسم تاني ياسين السيوفي.
مازن كمل كلامه وهو بيترعش بابا ما كانش اسمه رفعت.. بابا كان ابن عيلة غنية جداً نفوذها واصل لكل حتة، وهرب من حياتهم ومن اسمهم وجه هنا بدأ من الصفر.. هرب لأنهم منهم بسبب مشاكل الورث والظاهر إنهم لسه بيدوروا عليه.. وممكن يكونوا هما اللي وصلوا له في الآخر.
مازن طلع جواب قديم، ورقته صفراء وريحتها نفتالين، ومكتوب عليها إلى ابني مازن.. يوم ما تفتح الصندوق ده، هتعرف ليه عشت حياتي كلها غريب.
بدأنا نقرأ.. رفعت أو ياسين السيوفي كان الوريث الوحيد لعيلة السيوفي في الصعيد، عيلة عندها أراضي وفلوس ما تأكلهاش النار. بس العيلة دي كان ليها قانون واحد الورث ما يخرجش بره. وعشان الورث يفضل محبوس، كان لازم ياسين يتجوز بنت عمه نعمات، اللي كان بيعتبرها زي أخته بالظبط.
ياسين رفض.. رفض يبيع قلبه عشان شوية فدادين. وفي رحلة ل مصر القاهرة هرباً من ضغط أهله، قابلني أنا.. بثينة. البنت البسيطة اللي سكنت قلبه من أول نظرة.
الجواب كان بيكمل بوجع يا مازن، كان قدامي حلين
يا أما أتجوز بنت عمي وأعيش غني وميت من جوه، يا أما أهرب مع مامتك وأعيش فقير بس روحي فيا. اخترت الحب..


اخترتكم. هربت وغيرت اسمي ل رفعت، وقطعت كل خيط يوصلهم بيا، لأنهم لو وصلوا لي، كانوا هياخدوني غصب، أو يحرموني من مامتك للأبد.
بصيت للصور اللي في الصندوق.. شفت صورة لرفعت وهو شاب، واقف جنبه راجل كبير بجلابية وهيبة تخوف أبوه، وجنبهم بنت صغيرة ملامحها حزينة بنت عمه.
نهى سألت بذهول يعني بابا كان غني جداً وعايش معانا في الشقة البسيطة دي وبرضا؟
رد مازن وعينه فيها دموع كان بيشتري راحتنا يا نهى.. كان بيحمينا من عيلة ما بتعرفش غير لغة الأرض والدم.
كملنا قراية الجواب، وصوت رفعت ياسين كان كأنه طالع من وسط الورق بيحكي لنا الحكاية
يا بثينة.. يا شريكة عمري الصبورة. أنا عارف إني عيشتك في مستوى أقل بكتير من اللي كنت أقدر أوفرهولك، بس كان لازم نستخبى عشان نعيش. بس دلوقتي، وأنا بكتب الكلام ده وأنا حاسس إن عمري بيخلص، مش هسمح ل منصور السيوفي وأخواته يتهنوا بمالي ومال ابني.
مازن طلع من قاع الصندوق خريطة قديمة مرسومة بالإيد، وجنبها عقود ملكية أصلية متوثقة بختم النسر القديم، باسم ياسين كمال السيوفي.
الجواب كمل
يا مازن.. الأرض اللي في الخريطة دي، هي الدهبية. ٥٠٠ فدان من أجود أرض الصعيد، كانت مهري ل نعمات بنت عمك لو كنت اتجوزتها. لما هربت، هما وضعوا إيدهم عليها وافتكروا إن الورق ضاع أو إني موته.. بس الورق أهو في إيدك. يا ابني، الورث ده حقك، وحق تعب أبوك اللي عاش غريب. خده، بس خلي بالك.. منصور عمك مش هيسلمك الأرض بالسهولة دي.
بصيت لمازن، عينيه كانت بتلمع بتحدي مشفتهوش فيه قبل كده. مابقاش مازن الموظف البسيط اللي شايل هم الفواتير، بقى وريث آل السيوفي.
في صباح اليوم التالي، ما كانش فيه وقت للدموع ولا للصدمات. مازن لبس بدلته الرسمية، وأنا لبست عبايتي السوداء اللي بتعكس وقاري وقوتي، واتجهنا لأكبر مكتب محاماة في وسط البلد.. مكتب المستشار رأفت الهواري، الرجل اللي مشهور إنه ما بيخسرش قضية قدام حيتان المال.
قعدنا في المكتب،
والورق القديم، العقود الأصلية، وخريطة الدهبية مفرودين قدامنا على المكتب الخشب الفخم. المستشار رأفت كان بيبص في الورق بنظاراته، وكل شوية يرفع عينه يبص لمازن بذهول.
يا مازن بيه، أبوك الله يرحمه كان عبقري.. هو مكنش بس مخبي الورق، هو كان موثق كل قرش باسمه الحقيقي في سجلات قديمة محدش يقدر يزورها. الورق ده مش بس يرجع الأرض، ده يهد سرايا السيوفي كلها فوق دماغ اللي فيها.
بدأ المحامي الإجراءات فوراً. بعتنا إنذار على يد محضر لعيلة السيوفي في الصعيد، وبدأت الأخبار توصلنا.. الدنيا اتقلبت هناك. منصور السيوفي مكنش متخيل إن بنت المدينة وابنها الموظف البسيط هيقدروا يوصلوا للمستندات دي.
قبل الغروب بيومين، كنت واقفة في بلكونة بيتنا، بصيت لقيت عربيات سوداء فخمة راكنة تحت البيت. عرفت إنهم وصلوا. بس المرة دي ما كانوش شايلين سلاح، كانوا شايلين شنط مليانة فلوس، ومحاولات للصلح الودي عشان نتنازل عن القضية مقابل مبلغ خيالي.
دخل مازن الصالة، وبص للناس اللي جاية من طرف عمه، وبكل هدوء وبرود، حط فنجان القهوة بتاعه وقال كلمته اللي هزت كيانهم
أبويا ساب العز ده كله عشان كرامته وعشان الست اللي حبها.. تفتكروا أنا هبيع كرامة أبويا بشوية فكة؟ نتقابل في المحكمة.. الأرض دي هترجع، والاسم اللي حاولتم تمسحوه، هيفضل محفور على بوابة السرايا.
النهاية المفتوحة
نزلوا من البيت وهما بيتوعدوا بشرارة نار هتاكل الأخضر واليابس. مازن قرب مني ومسك إيدي، وبصيت في عينيه شفت فيها ياسين بكل جبروته وحنيته.
دلوقتي، القضية بقت في المحاكم، والتهديدات ما بتخلصش، وأخبار الدهبية بقت على كل لسان في البلد. إحنا مش عارفين بكرة شايل إيه.. هل القانون هينصفنا بسرعة؟ ولا عيلة السيوفي هتلعب ألاعيبها اللي تحت التربيزة؟
حاجة واحدة بس كنت عارفاها وأنا بلمس الصندوق الخشب لآخر مرة.. إننا خلاص مش هنستخبى تاني.
فتحت مذكراتي، وكتبت السطر اللي هختم بيه حكايتي للناس
السر اللي عاش سنين في صندوق، خرج وبقى حقيقة بتطارد الكل.. والورث مش بس أرض وفلوس، الورث هو إنك تقدر تبص
في مرايتك وأنت عارف إنك ما خنتش أمانة اللي راحوا.

تم نسخ الرابط