​"أغرب مقايضة حصلت في تاريخ المحاكم: (حريّة أب) مقابل (سرّ بسيط) من طفلة عمرها 6 سنين.

لمحة نيوز

يا سيادة القاضي، لو رجعت بابا البيت.. أنا هخفف وجع رجلك"

اليوم الذي دخلت فيه طفلة إلى قاعتي

​كانت محكمة "المنصورة" دائماً مكاناً للنظام والمنطق، مكاناً تُصفى فيه العواطف وتتحول لنتائج وأدلة. لكن في ذلك الصباح من شهر فبراير، حين تركت طفلة صغيرة مقاعد الجمهور واتجهت نحوي، توقف كل شيء. سكتت الهمسات، وحتى صوت الورق اختفى.

​أنا القاضية "ماجدة"، قضيت أكثر من عشرين عاماً فوق منصة القضاء. وفي السنوات الأربع الأخيرة، كنت أقوم بذلك من فوق كرسي متحرك، بعد حادث طريق غير حياتي للأبد. كنت نادراً ما أظهر ألمي، فالهيبة عندي تأتي من رجاحة العقل لا قوة الجسد، رغم أن وجع ظهري كان يذكرني دائماً بما فقدت.

​المتهم أمامي كان "إبراهيم"، عامل مخازن بسيط، ليس له أي سوابق. كان يجلس بكتفين منحنيين كأنه يحاول الاختفاء. تهمته كانت سرقة علبة دواء من صيدلية؛ الدواء كان غالي الثمن ومراقب بشدة، والنيابة قررت تحويلها لجناية.

​فجأة،

تقدمت الطفلة. لاحظت أولاً صوت حذائها الصغير على الأرض الرخامية، ثم شعرها الأشقر المتطاير الذي يبدو أن أحدهم حاول تصفيفه على عجل. معطفها كان رقيقاً لا يناسب برد الشتاء، وفستانها كان قديماً لكنه نظيف جداً، كأن هناك من يحاول الحفاظ على كرامته وسط الفقر.

​وقفت أمام المنصة، ونظرت في عيني مباشرة وقالت بصوت هادئ:

"يا سيادة القاضي.. لو خليت بابا يرجع البيت، أنا هقدر أخلي رجلك تبقى أحسن."

​ساد الصمت. لم أضحك، لأن الأطفال لا يتحدثون بهذه الثقة إلا إذا كانوا يؤمنون بما يقولون.

ما قبل الحادثة

​عاش إبراهيم مع ابنته "نور" (6 سنوات) في شقة صغيرة متواضعة. منذ وفاة زوجته، أصبح هو الأب والأم؛ يتعلم كيف يصفف شعرها، ويحضر طعامها، ويخفي حزنه في نوبات عمله الليلية.

نور كانت تعاني من حساسية شديدة على الصدر تجعل كل شتاء كابوساً. في ديسمبر، تغيرت جرعة الدواء وأصبح سعرها يفوق قدرته. باع إبراهيم كل شيء: التلفزيون القديم،

وحتى "غويشة" ذهب كانت ذكرى من زوجته الراحلة.

​في ليلة باردة، استيقظت نور وهي تختنق. لم يكن معه سوى جنيهات قليلة لا تكفي لثمن "البخاخة". اتصل بمديره يطلب سلفة، لكن الرد كان بارداً: "السيستم مقفول يا إبراهيم".

​وقف إبراهيم أمام الصيدلية، دخل وحاول استعطاف الصيدلانية لتأجيل الدفع يوماً واحداً، لكنها رفضت. في لحظة يأس، وهو يرى صورة ابنته وهي تختنق أمام عينيه، وضع العلبة في جيبه. لم يكن سارقاً محترفاً، فلم يلبث أن خرج حتى أوقفه أمن الصيدلية، ليجد نفسه في سيارة الشرطة.

القرار الصعب

​في المحكمة، طلبتُ من الحرس أن يتركوا الطفلة تتحدث.

قالت نور ببراءة: "بابا بيقول إنك بتساعدي الناس. لو رجعته معايا، هعلمك (تمرين النفس) اللي ماما علمتهولي، ده بيخلي كل حاجة تصحى وتخف."

​لم تكن تعدني بمعجزة طبية، كانت تقدم أغلى ما تملك في مقابل والدها.

​عندما استؤنفت الجلسة، قلت:

"يا إبراهيم، القانون يتطلب الردع، لكن العدالة

بدون رحمة تصبح قاسية وغير منصفة."

​حكمتُ عليه بالرقابة مع وقف التنفيذ، مع إلزامه بالعمل الخدمي في مبنى الرعاية الصحية، وسداد ثمن الدواء على أقساط ميسرة.

الدرس غير المتوقع

​بعد إخلاء القاعة، اقتربت نور مني وقالت: "لسه عايزة أعلمك تمرين النفس."

وضعت يدها الصغيرة على صدري وقالت: "خدي نفس في 4 عدات.. وطلعيه في 6."

​فعلنا ذلك معاً. تكراراً.. وتكراراً.

لم أشعر فجأة برجلي، لكنني شعرت بدفء غريب في صدري، وتوتر لم ألحظه بدأ يختفي.

نظرت إليّ بابتسامة وقالت: "شفتي؟ كدة أحسن."

الخاتمة

​إبراهيم التزم بعمله الخدمي في العيادة بجدية تامة، ونور تحسنت حالتها بعدما وفرت لها المحكمة سبيلاً للعلاج المجاني.

​أما أنا، فما زلت على كرسيّ، لكن نظرتي للحياة تغيرت. تعلمت أن الرحمة لا تضعف القانون، بل تقويه لأنها تجعلنا نرى الحقيقة الكاملة وراء البشر. وأحياناً، في آخر النهار عندما يهدأ ضجيج المحكمة، أغمض عيني وأمارس "

تمرين نور"، وأتذكر أن الشفاء الحقيقي لا يأتي دائماً للأبدان، بل أحياناً يسكن الأرواح.

 

تم نسخ الرابط