​فتحت درج مكتب ابني وكنت فاكرة إني هلاقي كراسات رسم وتلوين بس اللي لقيته جمد الدم في عروقي

لمحة نيوز

أصعب لحظة ممكن تعيشها الأم هي لما تكتشف إن مصدر الأمان الوحيد في حياتها، ابنها الصغير، هو أكتر واحد عايش في رعب.. زياد مكنش طفل بيتخيل، زياد كان بيسجل خيانة أقرب الناس لينا في مفكرة الأسرار اللي غيرت حياتنا للأبد.
صندوق الأسرار الهروب الأخير
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، والهدوء يلف أركان الشقة في الطابق العاشر، إلا من صوت تكتكة الساعة المعلقة في الصالة. سلمى كانت غارقة في نوم متقطع، تحلم بكوابيس مشوشة، قبل أن يوقظها صوت صرير خافت لمفصلات باب قديم.. صرير لم يكن غريبًا عليها، إنه باب غرفة ابنها زياد صاحب الثماني سنوات.
اعتدلت سلمى في فراشها، وقلبها يدق بعنف غير مبرر. قامت ببطء وتوجهت لغرفة زياد. عندما فتحت الباب، لم تجده نائمًا كما توقعت. كان زياد جالسًا على طرف سريره، يضم كشافًا صغيرًا إلى صدره كأنه درع يحميه، وجسده الصغير يرتجف بانتظام.
الهمس المرعب
اقتربت سلمى بخطوات مرتجفة، وهمست زياد؟ حبيبي إيه اللي مقعدك كدة؟ أنت تعبان؟
رفع زياد رأسه ببطء، وكانت عيناه غارقتين في رعب لم تره سلمى من قبل في طفل. أمسك يدها بقوة أوجعتها، وهمس بصوت متهدج ماما.. مفيش وقت.. أنا وقتي خلص.
تجمدت الدماء في عروق سلمى. وقت إيه يا زياد؟ أنت بتقول إيه يا حبيبي؟
دمعت عينا الصغير وهو ينظر نحو نافذة الغرفة المغلقة بستائر ثقيلة، وقال بلهجة آمرة لا تناسب سنه لازم تهربي يا ماما.. اهربي دلوقتي قبل فوات الأوان.. قبل ما يوصلوا.
سألته وهي تحاول كتم صرخة رعب مكتومة نهرب من مين؟ مين اللي جاي؟
أشار بيده

الضعيفة نحو مكتبه الصغير في زاوية الغرفة، وقال بصعوبة وكأن الكلام يستهلك طاقته الأخيرة بصي في درج المكتب.. أنا كتبت كل حاجة.. كل حاجة شوفتها وما صدقتونيش فيها.
مذكرات الخوف
اتجهت سلمى نحو المكتب بخطوات ثقيلة كأنها تمشي في طين. فتحت الدرج، لتجد مفكرة صغيرة مغلفة بورق هدايا قديم. فتحت الصفحة الأولى، وما قرأته جعل شعر رأسها يقف.
لم تكن مجرد رسومات أطفال، بل كان سجل مراقبة دقيق
الأحد 4 عصراً العربية السوداء اللي كانت قدام المدرسة، الراجل اللي فيها كان لابس نضارة وباصص عليكي وأنتِ بتستلميني يا ماما. صورت نمرتها أ ب ج 123.
الثلاثاء بعد تمرين الكورة فيه واحد كان ماشي ورانا لغاية باب العمارة، ولما بصيت ورايا استخبى ورا الشجرة. هو مش غريب، أنا شوفته قبل كدة في صور بابا القديمة.
الخميس الساعة 1 بالليل سمعت صوت حد بيحاول يفتح قفل الباب الخارجي بآلة حادة.. دخلت المطبخ وشوفت خيال حد واقف في المنور.
قلبت سلمى الصفحات بسرعة، لتجد في الصفحة الأخيرة جملة مكتوبة بخط مهتز وكبير النهاردة عرفوا إن أنا عرفت.. النهاردة هيدخلوا البيت.
المفاجأة الصادمة
بينما كانت سلمى تقرأ، سمعت صوت تكة حقيقية قادمة من باب الشقة الرئيسي. نظرت لزياد، الذي كان يضع إصبعه على فمه ويشير لها بالسكوت التام.
أدركت سلمى في تلك اللحظة أن ابنها لم يكن يتخيل، وأن كل لحظات السرحان والخوف التي ظنتها مجرد قلق طفولي كانت صراعًا من أجل البقاء. زياد كان يحميها بطريقته الخاصة، يراقب الظلال التي فشلت هي في رؤيتها.
سحبت سلمى ابنها من يده، وحملت
المفكرة، وقررت ألا تنتظر لترى من يطرق الباب. توجهت نحو باب المطبخ المؤدي لسلم الطوارئ، وهي تعلم أن حياتها قبل هذه الليلة قد انتهت، وأن رحلة الهروب من المجهول قد بدأت للتو.. والسر كله مدفون في صفحات تلك المفكرة الصغيرة.
وصلت سلمى وزياد للكوخ القديم اللي في طرف القرية، مكان مهجور من سنين ومحدش يعرفه غير أهلها. البرد كان بينخر في العضم، وصوت الرياح برا كان عامل زي العويل. سلمى كانت قاعدة وضامة زياد ليها، والمفكرة لسه في إيدها، بتقلب في الصفحات الأخيرة اللي لسه مقرتهاش.
فجأة، عينيها وقعت على ملحوظة كاتبها زياد بخط صغير جداً في آخر صفحة
يا ماما.. عمو خالد هو اللي كان بيدي الصور للناس اللي في العربية السوداء.
نزلت الكلمة على سلمى زي الصاعقة. خالد؟ أخو جوزها الله يرحمه؟ الشخص اللي كان سنده الوحيد؟ اللي كان بيجيبلهم الأكل وبيطمن عليهم كل يوم؟
خيانة من دم
قبل ما تستوعب الصدمة، نور كشافات عربية قوية جداً اخترق شباك الكوخ. سلمى كتمت بؤ زياد بسرعة وهمست في ودنه زي ما اتفقنا.. القبو يا زياد، انزل واستخبى وم تطلعش مهما حصل.
نزل زياد بسرعة من فتحة سرية تحت السجادة، وسلمى وقفت ورا الباب وهي ماسكة فأس قديم كان محطوط جنب المدفأة. الباب اتفتح بهدوء، ودخل شخص لابس بالطو أسود.. وبصوت هادي ومستفز قال
سلمى.. ملوش لزوم التعب ده. إحنا بس عايزين الأوراق اللي مع زياد. الوصية اللي سابها أخويا مش لازم تطلع للنور، وإلا كل اللي بنيته هيتهد.
كان هو.. خالد. وراه كان فيه اتنين بودي جارد ضخام.
سلمى طلعت من ورا الباب
بشجاعة مكنتش تعرف إنها عندها وصية إيه يا خالد؟ أنت بتطارد طفل وأرملة عشان فلوس؟ أنت كنت بتراقبنا ومرعب ابني عشان ورق؟
خالد ضحك ببرود الورق ده فيه إثبات إن المصنع والبيت ملك ليكي ولزياد مش ليا. وأنا مش هسمح لحتة عيل يهد امبراطوريتي بملاحظاته الذكية دي. قوليلي هو فين وهتمشي بسلام.
ذكاء زياد يقلب الموازين
في اللحظة دي، سمعوا صوت سرينة بوليس قوية جداً بتقرب من المكان. خالد ارتبك وبص لرجاله إزاي عرفوا المكان؟!
سلمى ابتسمت بوجع وقالتله أنت نسيت إن ابني أذكى منك بكتير؟
زياد وهو في القبو، كان معاه جهاز تتبع صغير كان خالد نفسه جابهوله هدية في عيد ميلاده عشان الأمان. زياد بذكاؤه، شغل الجهاز وبعت إشارة استغاثة للمركز اللي شغال فيه صاحبه اللي بيثق فيه، وأرفق معاها تسجيل صوتي لكل اللي خالد قاله دلوقتي عن طريق ساعة ذكية كانت مستخبية في جيبه.
النهاية.. وبداية جديدة
اقتحم البوليس الكوخ، واتقبض على خالد ورجاله متلبسين بالتهديد والترويع ومحاولة السرقة.
لما الفجر طلع، سلمى كانت واقفة قدام الكوخ، وشايفة الشمس وهي بتشرق على حياة جديدة. زياد خرج من القبو وجرى حضنها.
بصتله سلمى وقالتله أنا آسفة يا حبيبي إني مكنتش بصدقك في الأول.
زياد مسح دموعها وقال بابتسامة فيها حكمة الكبار المهم إننا دلوقتي أحرار يا ماما.. والمفكرة دي خلاص، مفيش فيها صفحات سودة تانية.
سلمى خدت المفكرة، ورمتها في نار المدفأة اللي كانت لسه قايدة، وشافت الورق وهو بيتحول لرماد.. ومعاه كل الخوف والتهديد اللي عاشوه. من النهاردة، زياد مش هيراقب
الظلال، زياد هيعيش طفولته وبس.

تم نسخ الرابط