"جوزى كان بيصرخ إن قلب أمه وقف، بس عينه كانت بتدور على فنجان القهوة المكسور.. وفي اللحظة دي عرفت إن الدور الجاي عليا"
كنا قاعدين مع حماتي بنفطر في الجنينة والجو كان هادي جداً، وفجأة جوزي صمم يعمل القهوة بنفسه.. مع إننا عندنا فاطمة الشغالة مش بتسيب المطبخ، بس عمر قام وقال بابتسامة غريبة النهاردة أنا اللي ههاديكم بقهوة من إيدي.
قعدت أراقبه وهو طالع بالصينية، كان حاطط فنجان قدامي وفنجان قدام مامته زينب هانم. قالي وهو بيقرب الفنجان مني اشربيها يا صوفيا قبل ما تبرد.. عاملها بسكر زيادة زي ما بتحبي.
لسه برفع الفنجان عشان أشربه، ريحة غريبة ضربت في مناخيري.. ريحة لوز مر وقوية، ريحة خلت قلبي ينقبض من غير سبب. في اللحظة دي، تليفوني رن على الطرابيزة، وبدون تفكير، وأنا بمد إيدي أجيب الموبايل، الفناجين اتبدلت من غير ما حد ياخد باله.. أو ده اللي كنت فاكراه.
حماتي رفعت فنجانها، شربت أول بقة.. وفجأة، الفنجان وقع اتدشدش ميت حتة، وهي نزلت وراه على الرخام وهي بتقطع النفس.
عمر قام مفزوع، بس مجريش على أمه.. عينه راحت فوراً على فنجاني أنا اللي لسه مليان. وفي اللحظة دي، عرفت إن القهوة دي مكنتش معمولة عشان تعدل المزاج، دي كانت معمولة عشان تنهي حياتي.
القهوة المسمومة حين تنهار الأقنعة على مائدة الإفطار
زينب حماتي وقعت على الرخام بصوت لسه مسمع في وداني لحد دلوقتي، سبحتها الياقوت اتفرطت، واللولي اللي حوالين رقبتها اتقطع ونطر في كل حتة. حبة من غوايشها دحرجت لحد ما استخبت تحت النافورة.
عمر جوزي قام من مكانه بسرعة خلت الكرسي يتقلب، بس الغريبة إنه مجريش عليها هي الأول..
بص على فناجين
في اللحظة دي، آخر ذرة شك كانت جوايا ماتت. مش عشان اعترف، ولا عشان السماء انشقت وقالتلي إنه خاين.. لا، ماتت عشان أي ابن في الدنيا يشوف أمه بتقع قدامه لازم يتفزع عليها، لكن عمر كان بيبص للترابيزة بنظرة حسابات غلط، كأن فيه خطة باظت منه فجأة.
قاللي أنتي.. وسكت.
حسيت بلكونة بيتنا في الزمالك بتضيق عليا. ريحة الياسمين، والعيش المحمص، وصوت أذان الجامع.. كل حاجة اتحولت لزيف وكدب.
حماتي كانت بتخرفش بإيديها في الهوا كأنها بتغرق، وهنا عمر نزل على ركبه وبدأ يصرخ ويطلب مساعدة، ونادى على فاطمة الشغالة وهو بيزعق إن قلب أمه وقف.
بس الغريب إنه مسألش ولا مرة هي شربت إيه؟
فاطمة جت تجري من المطبخ وإيديها لسه فيها دقيق، وأول ما شافت المنظر بدأت تصوت وتقرأ آية الكرسي. عمر كان عمال يدي أوامر بصوت قوي ومرتب، صوت واحد بيرسم حكاية تخرجه من المصيبة.
أنا كمان نزلت على الأرض، بس مش جنب حماتي.. نزلت جنب الفنجان المكسور.
القهوة كانت سايحة على الأرض زي الحبر، وريحتها كانت غريبة.. ريحة لوز مر، حلاوة بس تقلب النفس.
عمر أول ما شافني ببص للفنجان، وشه اتغير تماماً، مكنش زعلان، كان مغلول.
زعق فيا اوعي تلمسيه!
صوته كان زي الكرباج. فاطمة بصت لنا وهي مرعوبة مش فاهمة حاجة. حماتي كانت بتطلع صوت حشرجة يخوف. قمت ببطء، ورجليا مش شايلاني، وبعدت عن القهوة المسكوبة. مكنتش قادرة أتكلم، لأني عرفت إن أول كلمة هقولها هي اللي هتحدد مستقبلي.
في المستشفى.. الكدب مالوش
الإسعاف جت ونقلوا حماتي. عمر كان بيمثل دور الابن البار قدام أي حد لابس بالطو أبيض. كان بيجاوب على أسئلة الدكاترة بسرعة البرق أمي عندها ضغط، أمي بتتوتر، أمي درامية شوية.
لمحت المسعف الشاب بيبص لبقايا الفنجان، وبعدين بصلي وسأل هي شربت حاجة غريبة؟
لسه هفتح بؤي، عمر رد مكاني قهوة عادية زينا كلنا.
زينا كلنا.
الكلمة دي كانت زي السكينة. مش الكل خد سكر زيادة في فنجانه، مش الكل استلم الفنجان من إيده وهو عينه في عينهم عشان يتأكد إنهم شربوا.. مش الكل قاله اشربيها قبل ما تبرد. بس سكت.. مش وقته.
في المستشفى، عمر بدأ يرمي كلام مسموم للممرضة مراتي صوفيا تعبانة نفسياً اليومين دول، ومكنتش هي وأمي على وفاق خالص. كان بيحاول يبين للناس إني مجنونة عشان لما أتكلم محدش يصدقني.
أول ما الممرضة سألت عن القهوة، قلتلها القهوة اللي عمر قدمهالي كانت ريحتها لوز مر.
عمر ضحك بسخرية وقال للممرضة شوفتي؟ ده اللي كنت بقوله.. صوفيا متأثرة بأفلام الرعب وبتتخيل حاجات. وبعدين بصلي بحنية مزيفة تقرف أرجوكِ يا صوفيا، مش وقته، أمي بتموت.
الصندوق الأزرق والسر القديم
الدكاترة قالوا إنها تسمم، والشرطة بدأت تحقق. حماتي فاقت لثواني، وقالت جملة واحدة قبل ما تروح في غيبوبة تاني مكُنتش ليا.
لما هربت لبيت بنت خالتي ليلى، عرفت إن عمر مأمن على حياتي بمبلغ كبير، وإنه غرقان في ديون قمار وصفقات شمال وكان محتاج فلوس بأى طريقة حتى لو الطريقة دى كانت أنه يتخلص منى..
رجعت لحماتي تاني في المستشفى، وبصتلي
قالتلي في أوضة الصلاة.. في علبة المصاحف الزرقاء.. في قاع سحري، خدي المفتاح.
رحت البيت ، وفتحت السرداب السري بتاعها. لقيت مذكراتها، ورسايل من سارة الله يرحمها بتشرح فيها خوفها من عمر، وإن القهوة اللي بيقدمها ريحتها لوز.
عمر لما عرف جه يهاجمني في بيت ليلى، صرخ من ورا الباب لو كنتِ شربتيها وخلصتينا مكنش حصل كل ده!.. ومكنش يعرف إن الموبايل بيسجل كل كلمة.
في المحكمة، عمر كان لابس البدلة وشيك وبرضه بيحاول يبان ضحية، لحد ما المحامية بتاعتي واجهته بتسجيلاته، ورسايل سارة، وكلام أمه.
اتحكم عليه بالمؤبد. وهو خارج من القاعة، بصلي بغل وقال أنتي لسه عايشة عشان غلطة.
قلتله أنا عايشة عشان ربنا كشفك.
حياة جديدة
بعت كل حاجة وليها علاقة بيه، واشتريت بيت صغير في الأرياف وسط الشجر. حولت الصالة لمقهى صغير وبسيط. في الأول كنت بخاف أمسك كنكة القهوة، بس دلوقتي بقت ريحتها هي ريحة حريتي.
الناس بقت تجيلي من كل مكان، مش بس عشان القهوة، عشان بيحسوا إن المكان فيه أمان. وبقيت بسمع للستات اللي خايفين من حاجة ومش عارفين يقولوها لمين.. بقيت سكن ليهم.
دلوقتي، لما بشرب قهوتي الصبح، لا فيه خوف ولا فيه مرارة.. فيه بس طعم الروقان والحرية.
عمر كان فاكر إنه هيخليني اختفي، بس أنا اللي بقيت الشاهدة