لو كنت أعرف إن الظرف الأصفر اللي استلمته وأنا بزور قبر مراتي فيه
لو كنت أعرف إن الظرف الأصفر اللي استلمته وأنا بزور قبر مراتي فيه صورتها في حضن حد تاني، مكنتش رحت المدافن ولا كنت فكرت أتوجع عليها يوم واحد.. بس الحقيقة كانت اسوأ بكتير من اللي عقلي اتخيله.
عهد الوفاء.. وصرخة القبر
قبل يوم واحد من فرح ياسين على سلمى، كان لازم يعمل حاجة واحدة أخيرة عشان يرتاح. خد باقة ورد كازابلانكا أبيض، وراح للمدافن يزور نورهان.. مراته اللي ماتت من 3 سنين في حادثة طريق السخنة، ومن يومها وياسين عايش بجسمه بس، والروح مدفونة معاها.
ياسين كان بيحب نورهان لدرجة إن كل الناس، حتى أخته، بقوا يلوموه يا ياسين ارحم نفسك، العمر بيعدي وأنت لسه محبوس في الذكريات. لحد ما ظهرت سلمى في حياته.. دخلت بهدوء، بصبر، من غير دوشة. علّمته إزاي يضحك تاني من غير ما يحس إنه خاين، وإزاي يخطط لمستقبل ميكونش فيه لوحده.
وقف ياسين قدام قبر نورهان، دموعه سبقت كلامه وهو بيمسح التراب عن الرخام اللي مكتوب عليه اسمها
بكرة فرحي يا نورهان.. جيت أقولك إني مش ناسيكي، ولا هقدر. أنا بس بحاول أعيش.. يا رب تكوني شايفة وعارفة إني عمري ما خنت العهد، بس الدنيا صعبة أوي لوحدي.
وفجأة، وسط هدوء المدافن وصوت الهوا، سمع صوت خطوات.. رجل بتجر نفسها على الرمل. لف ياسين لقى ست عجوزة، وشها مرسوم عليه شقا سنين، لابسة أسود بسيط جداً وماسكة في إيدها ظرف أصفر قديم.
الست بصتله بتركيز وقالت بصوت مهزوز أنت
ياسين استغرب جداً أيوه أنا.. حضرتك مين؟
الست غمضت عينها بوجع وقالت أنا أم نورهان.
ياسين الدنيا لفت بيه. نورهان طول 5 سنين جواز كانت بتقوله إن أمها ماتت وهي صغيرة، وإن أبوها سابهم وهرب، وإنها كبرت يتيمة مع قرايب بعيد في الأرياف وقطعت علاقتها بيهم تماماً.
مستحيل! نورهان قالتلي إنك ميتة من زمان!
الست ردت بحسرة نورهان قالتلك كده عشان تقدر تعيش.. الحقيقة كانت أمَر من إنها تتحكي.
طلعت الست الظرف الأصفر وقالتله نورهان سابتلك ده، وقالتلي أديهولك لو في يوم قررت تبدأ حياتك من جديد وتتجوز.. النهاردة جه الوقت إنك تعرف الحقيقة اللي هي خبتها عنك.
المفاجأة الصادمة
فتح ياسين الظرف بإيد بتترعش. لقى صورة ل نورهان وهي بنت 18 سنة، بس ضحكتها في الصورة كانت غريبة، فيها خوف وخبث.. كانت واقفة جنب راجل ضخم، بشنب كثيف ولابس لبس غالي، وفي الخلفية بيت كبير هي كانت قايلة لياسين إنه بيت خالها.
وبعدين لقى الرسالة.. بخط نورهان اللي حافظه صم
ياسين.. لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أمي لقت الشجاعة إنها تقابلك. سامحني إني كذبت، بس الحقيقة كانت هتحرقك زي ما حرقتني.
نورهان اعترفت في الرسالة إنها مش يتيمة، وإن الراجل اللي في الصورة ده يبقى جوز أمها.. الراجل اللي نهش طفولتها من وهي عندها 13 سنة، والبيت ده كان السجن اللي بتتعرض فيه لأبشع أنواع الانتهاك تحت عين العيلة كلها اللي كانت عاملة
لما نورهان صرخت وقالت الحقيقة، العيلة اتقسمت. إخوتها كذبوها وقالوا إنها بنت مش تمام وبتبلي على الراجل المحترم، وخالتها قالت إنها مجنونة. نورهان حست إنها ماتت وهي حية، فقررت تهرب، تغير اسمها، وتخترع ماضي جديد فيه أهل ميتين، لأن الميتين أرحم بكتير من الأهل اللي بيغطوا على المجرم.
الانهيار والمواجهة
ياسين كان بيقرأ وهو بيسند على القبر عشان ميقعش. افتكر كل مرة نورهان كانت بتصوت فيها وهي نايمة وبتقول كوابيس، افتكر رعبها لما كان بيحضنها من ضهرها فجأة، افتكر رفضها التام إنهم يروحوا يزوروا أي حد من ريحة أهلها.
الست أم نورهان قالتله وهي بتعيط أنا صدقتها يا ياسين.. والله صدقتها وحاولت أحميها، بس هو هددني يرميني في الشارع ويحرم الصغار من اللقمة. نورهان هربت عشان تنقذ نفسها، وأنا عشت ميتة من يومها.
ياسين رجع بيته ليلة فرحه وهو تايه. سلمى خطيبته كانت بتتصل بيه عشان تفاصيل الفرح والكوافير، وهو مش قادر ينطق. فضل قاعد لحد الفجر بيقرأ الرسالة تالت ورابع.. نورهان كانت كاتبة في الآخر
ياسين، أنا خبيت عشان مكنتش عايزة أشوف في عينك نظرة
شفقة، أو تحس إني مكسورة. أنت كنت الأمان اللي عمري ما شفته.. لو لقيت بنت الحلال، اتجوز يا ياسين، ومتخليش وجعي يقفل قلبك.
يوم الفرح.. قرار ياسين
يوم الفرح الصبح، طلب ياسين من
ياسين.. نورهان مكنتش خاينة، نورهان كانت بطلة. والوجع اللي أنت حاسه ده مش خيانة ليا، ده دليل إنك راجل أصيل.. وأنا فخورة إني هكمل حياتي مع راجل زيك.
في القاعة، وسط المعازيم والفرحة، ياسين عمل حاجة محدش توقعها. مسك الميكروفون وطلب من الناس دقيقة حداد، مش بس على روح نورهان، لكن على روح كل بنت اتظلمت وسكتت، وكل وجع مستخبي ورا ضحكة.
النهاية.. رد الحق
ياسين محبسش الوجع جواه. بمساعدة سلمى، وبجزء من مدخراتهم، عمل مؤسسة نورهان لدعم الفتيات اللي بيتعرضوا للعنف المنزلي و اللى ساعدت بنات كتير أنهم يقفوا على رجلهم و يتخطوا الصدمات اللى اتعرضوا ليها فى حياتهم.
بعد سنتين، ياسين راح المدافن تاني، بس المرة دي كان معاه ابنه الصغير ياسر. قعد قدام قبر نورهان وحط ورد جديد وقال بصوت واطي
نورهان.. حقك رجع، واسمك بقى بيسند مئات البنات اللي زيك. بكرة ابني هيكبر ويعرف إنك كنتي أجمل وأشجع ست شوفتها في حياتي. نامي مرتاحة.. الأمان اللي دورتي عليه، بقى متاح لكل بنت بسبسك.
ياسين قام، مسك إيد ابنه، وراح ل سلمى اللي كانت واقفة بعيد مستنياه بابتسامة كلها صبر وحب.. وعرف وقتها إن الماضي مش لازم يهد الحاضر، بالعكس، ممكن يكون هو الوقود