القصة دي هتخليك تعيد تفكيرك في كلمة رزق لأن نور علمت زين درس عمره

لمحة نيوز

القصة دي هتخليك تعيد تفكيرك في كلمة رزق لأن نور علمت زين درس عمره
ثمن الكرامة حينما تدق الإنسانية باباً منسياً
كان المطر يطارد سيارة زين الشافعي الفارهة في شواراع المدينة المزدحمة، وكأن السماء تحاول غسل شيء ما عالق في روحه. لكن زين، رجل الأعمال الثلاثيني الذي لا تعني له الأرقام سوى الربح، لم يكن يلتفت للمطر. 
بالنسبة له، كان اليوم مجرد روتين تحصيل الإيجاراتمهمة يراها ضرورية للحفاظ على انضباط ممتلكاته.
توقف زين أمام عمارة قديمة في أطراف الحي الشعبي، بناية مائلة، مجهدة، جدرانها تحكي قصص الفقر الذي ينهش سكانها.
دخل الممر الضيق، وكانت الرائحة مزيجاً من الرطوبة وزيت الطعام القديم. صعد الدرج حتى وصل للدور الثالث، شقة رقم 9. طرق الباب بحدة، طرقة المالك التي لا تقبل التأخير.
لم يجبه أحد.
طرق ثانية، ففتح الباب ببطء شديد، وخرج منه صوت صرير حزين.
لكنه صدم مما رآه في داخل الشقه.
المشهد الصادم
تسمّر زين في مكانه. الغرفة لم تكن تشبه بيوتاً يسكنها البشر؛ ضوء خافت يتسلل من شباك مكسور، وطاولة خشبية قديمة تتوسط الغرفة، تجلس خلفها طفلة لا يتجاوز عمرها العشر سنوات. كانت نور، بملامحها الشاحبة وشعرها المبعثر، تنحني بتركيز مذهل فوق ماكينة خياطة متهالكة.
كانت يدها

الصغيرة مربوطة بقطعة قماش ملطخة بدم جاف، ومع كل ضغطة من قدمها الصغيرة على دواسة الماكينة، كان الأنين يخرج من حديد الماكينة ومن صدر الطفلة معاً.
فين والدتك يا بنتي؟ سأل زين، وصوته فقد نبرة التعالي لأول مرة.
انتفضت نور، وتوقفت الماكينة فجأة. رفعت عينيها التي كانت تحمل وقاراً وحزناً لا يليق بعمرها، وقالت بهمس ماما تعبانة أوي.. أرجوك يا عمو، سيبني بس أخلص الفستان ده.
التفت زين حوله مرتبة هزيلة على الأرض، موقد غاز صدئ، ولا أثر للعبة أو حتى كتاب مدرسة. فقط أكوام من القماش المرصوص بعناية.
بتعملي إيه بكل القماش ده؟ سأل وهو يقترب.
ردت نور وهي تمسح عرقها بظهر يدها بخيط فساتين لمحل في السوق.. بيدوني ملاليم على القطعة، بس لازم أخلصهم عشان نجيب علاج لماما وناكل.
جرح لا يندمل
شعر زين بغصة في حلقه. إنتي طفلة، مش مفروض تعملي كدة.
قبضت نور على القماش بقوة، وقالت بمرارة لو مأخدتش مكان ماما على الماكينة، هنترمي في الشارع.
في تلك اللحظة، خرجت كحة مكتومة من الغرفة الداخلية. تردد زين، ثم تذكر فجأة جدته الراحلة. كانت تجلس بنفس الطريقة، تخيط له ملابسه بحب، وكان هو يختبئ تحت طاولتها ليسمع دندنتها. كانت تلك الماكينة تشبه ماكينة جدته تماماً، وكأن القدر يصفعه بذكريات نسى فيها
إنسانيته.
أنا جاي عشان الإيجار، قالها زين بتردد، وكأنه يخجل من كونه المالك.
مدت نور يدها المرتجفة بظرف صغير وضعته على طرف الطاولة. الفلوس كاملة يا عمو.. عدتها تلات مرات عشان متقولش ناقصة وتطردنا.
لم يمد زين يده. نظر إلى جرح إصبعها، إيه اللي في إيدك ده؟
الإبرة دخلت في صباعي وأنا مستعجلة.. بس أنا كويسة، متعودة.
قرار التغيير
دخل زين الغرفة الداخلية، وجد سيدة شاحبة الوجه، تبدو وكأنها شبح، غارقة تحت أغطية خفيفة لا تقي من برد المطر.
سامحني يا سعادة البيه، همست الأم بصوت واهن، نور بتساعدني.. والله هنلتزم بكل قرش.
خرج زين إلى الصالة، كان صدره يضيق. أخرج هاتفه، أرسل رسالة سريعة، ثم التفت لنور التي كانت تستعد للعودة للماكينة.
نور.. سيبي الماكينة دي فوراً.
فزعت الطفلة والله هخلصهم، متطردناش!
انحنى زين لمستواها، وأمسك يدها الصغيرة برفق، ثم أعاد لها ظرف الإيجار. مش عايز إيجار.. لا الشهر ده ولا اللي جاي. الماكينة دي مش هتشتغل تاني بالخوف والقهر.
صمتت نور تماماً، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
أكمل زين بكرة الصبح في دكتور هييجي لماما، وفي ناس هتيجي تملى البيت ده بكل اللي محتاجينه. الماكينة هتفضل موجودة، بس عشان تخيطي فيها حاجة لنفسك، مش عشان تشيلي هم الدنيا.
سألته
بنبرة طفولية بريئة ليه يا عمو بتعمل كدة؟
ابتلع زين ريقه بصعوبة وقال لأنك طفلة.. وأنا كنت نسيت يعني إيه طفولة.. ونسيت إن الرزق اللي عندي ده، ربنا مديهوني عشان ناس تانية مش عشان أكنزه بس.
النهاية السعيدة
لم ينم زين تلك الليلة. صورة أصابع نور الصغيرة وهي تقود القماش تحت الإبرة لم تفارق خياله. ومن هنا، لم تكن الشقة رقم 9
مجرد حالة عابرة.
أطلق زين مؤسسة نور لدعم الأسر المتعثرة؛ برنامج يوفر الرعاية الطبية والتعليم للأطفال الذين أجبرهم الفقر على العمل. أعاد افتتاح مشغل كبير في الحي، لكن هذه المرة بحقوق كاملة وأجور عادلة، ووفر فيه حضانة لأطفال العاملات.
بعد عدة أشهر، عاد زين للعمارة، ليس كمالك، بل كصديق.
فتحت نور الباب، كانت بشرتها قد استردت نضارتها، وشعرها منسق، وابتسامتها تملأ وجهها.
عملت لك دي مخصوص، قالتها وهي تقدم له منديلاً أزرق من الحرير، مطرزاً يدوياً بورود بيضاء صغيرة بدقة مذهلة.
تلقاه زين كأنه أغلى كنز يملكه. جميل جداً يا نور.
قالت بعفوية أنا لسه بحب الخياطة يا عمو زين.. بس دلوقتي بحبها وأنا فرحانة، مش وأنا خايفة.
خرج زين من البناية، والمطر ينهمر مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يهرب منه. وقف يستمتع ببرودته، مدركاً أن الأرقام في حساباته البنكية قد تنقص،
لكن حياته كسبت معنىً لا يمكن تقديره بثمن.

تم نسخ الرابط