في بيت هادي كل حاجة فيه طبيعية… إلا صوت قط بيصرخ كل فجر، وكأنه بيحارب الموت بإيده… لحد ما الحقيقة ظهرت.
"في بيت هادي، كل حاجة فيه طبيعية… إلا صوت قط بيصرخ كل فجر، وكأنه بيحارب الموت بإيده… لحد ما الحقيقة ظهرت."
"حارس الأنفاس"
الساعة كانت ٦ الصبح لما "سارة" استقبلت جوزها "هاني" وهو راجع من شيفت الليل بوش غضبان وصوت عالي: "يا أنا يا القطة الجربانة دي في البيت! لو ممشيتش النهاردة، هاخد العيال وأروح بيت أهلي وأرفع عليك قضية طلاق."
"هاني" كان واقف مش قادر ينطق، باصص للأرض بقلة حيلة. ووراه كانت واقفة والدته "الحاجة ليلى"، ست مصرية أصيلة عندها ٦٥ سنة، ملامحها هادية بس شايلة حزن كبير من يوم ما جوزها اتوفى. الحاجة ليلى كانت ماسكة شنطة ، وجواها "زغلول".. قط بلدي ضخم، لونه مشمشي في أبيض، بوش مليان خربوش قديم وعينين صفرا حادة زي الصقر.
الساعة ١١ الصبح، كان "هاني" ووالدته في عيادة الدكتور "عادل" البيطري في وسط البلد. الدكتور عادل شاف خناقات كتير، بس الجو المرة دي كان مشحون بكره مش طبيعي.
- "خير يا حاجة ليلى؟ زغلول ماله؟" سأل الدكتور وهو بيفتح القفص.
- الحاجة ليلى اتنهدت بوجع: "مراتي ابني بتقول إنه اتجنن ولازم ينام للأبد (قتل رحيم). بس على جثتي حد يلمس شعرة منه."
"هاني" اتدخل بصوت مخنوق: "يا دكتور، الحيوان ده قالب حياتنا جحيم! بقاله ٣ شهور مش بيخلي أمي تنام. كل يوم الفجر يهجم عليها، يخربش
الدكتور عادل بص لـ "زغلول".. القط كان قاعد بمنتهى الثبات، لا خاف ولا نونو، كان بيبص للحاجة ليلى بنظرات "مراقبة" غريبة. كشف عليه، قلبه منتظم، شعره بيلمع، مفيش أي علامة لسعار أو توتر.
- "حاجة ليلى، إنتي بتعاني من الضغط؟" سأل الدكتور فجأة.
- "أيوة يا ابني، وباخد علاج. بس اليومين دول بصحى الصبح وتعبانة جداً، ريقي ناشف، وقلبي بيدق بسرعة وبحس إني مخنوقة والهوا مش داخل صدري، وعشان كدة بطلع أنام على الكنبة وأنا ساندة ضهري فبرتاح شوية."
هنا الدكتور عادل ابتسم بمرارة وبص لـ "هاني": "القط ده مش مجنون يا هاني، القط ده هو اللي مخلي والدتك عايشة لحد دلوقتي!"
الكل سكت، والدكتور كمل: "والدتك وهي نايمة بيحصلها 'انقطاع تنفس'، هي فاكرة إنها نايمة بس هي فعلياً بتتخنق وبتموت بالبطيء. زغلول بيحس بضربات قلبها وهي بتلخبط وبنفسها وهو بيقف، فبيضربها ويخربشها عشان يصحيها 'بالعافية' قبل ما روحها تطلع. ولما بتروح للكنبة وتنام وهي شبه قاعدة، مجرى التنفس بيتفتح فبيطمن ويسيبها تعيش."
"هاني" ضحك بسخرية: "بقى الحتة القط ده دكتور؟ يلا يا أمي الراجل ده
الجزء الثاني: "الغدر"
رجعوا البيت، و"سارة" لما عرفت كلام الدكتور اتجننت واعتبرته كلام فاضي. استغلت إن الحاجة ليلى نزلت تشتري طلبات، وأخدت "زغلول" في الشنطة ورميته في منطقة بعيدة جداً عن البيت.
لما الحاجة ليلى رجعت وملقتش "زغلول"، البيت اتقلب مناحة. الست كبرت ١٠ سنين في يوم واحد وقالت لابنها: "إنتوا رميتوا حارسي.. إنتوا رميتوا اللي كان بيخاف عليا وأنا بين إيدين ربنا." "هاني" ضميره أنبه جداً، ونزل هو وسارة الفجر يدوروا عليه لحد ما لقوه واقف في ركن ضلمة و اخدوه و رجعوا البيت .
بعد ٤ أيام، حصل اللي الدكتور حذر منه. الساعة ٣ الفجر، "زغلول" مأصدرش مواء عادي.. ده طلع "صرخة" مرعبة هزت حيطان الشقة، وزق فازة فخار تقيلة كسرها ١٠٠ حتة جنب ودن "هاني".
"هاني" و"سارة" جريوا على أوضة الحاجة ليلى.. المنظر كان مرعب. الحاجة ليلى وشها كان أزرق تماماً، شفايفها بنفسجي، وإيدها متشنجة على صدرها وبتحاول تشهق مش عارفة. و"زغلول" كان فوق صدرها بيخبط وشها بكفوفه بكل قوته وبيض عضها في دراعها عشان يفوقها من غيبوبة الموت.
- "أمييييي!" صرخ هاني وهو بيطلب الإسعاف، وسارة واقفة بتترعش ومنهارة من المنظر.
الجزء الثالث: "الحقيقة العارية"
في المستشفى، الدكتور خرج بعد ساعتين وقال لهم: "لو مكنتوش صحيتوا في اللحظة
"سارة" وقعت على الأرض من كتر العياط والندم. القط اللي كانت عايزة تقتله، هو اللي رجع لها أم جوزها من الموت.
بعد شهر.. باب العيادة اتفتح. دخلت الحاجة ليلى وهي زي الورد، وشها منور وواقفة مشدودة الطول. وجنبها "سارة" شايلة شنطة "زغلول" ومعاها كيس مليان أفخر أنواع التونة والسمك الماكريل.
- "أهلاً يا دكتور عادل.. جينا نطمنك على البطل." قالت الحاجة ليلى وهي بتطبطب على زغلول.
- الدكتور سألها: "لسه بيطردك من السرير يا حاجة؟"
- ردت وهي بتضحك: "أبداً.. دلوقتي أنا بقيت بنام بجهاز التنفس الصناعي، وزغلول بقى له طقس جديد.. بيطلع ينام جنب راسي بالظبط، يحط كفه على خرطوم الأكسجين وكأنه بيتأكد إن الهوا شغال، ويفضل فاتح عينيه مراقبني لحد ما الشمس تطلع.. كأنه بيقولي 'نامي يا ليلى وأنا صاحي مكانك'."
خرجوا من العيادة، والدكتور عادل بص وراهم وهو بيفكر في "كبرياء البشر".. إحنا بنفتكر إننا بنربي الحيوانات وبنعطف عليها، بس الحقيقة إنهم أحياناً بيبقوا هما اللي "بيربونا" وبيعلمونا يعني إيه وفاء، حب غير مشروط، وإن الروح اللي ربنا