في الليلة التي وصف فيها ياسين زوجته بأنها مجرد عاملة بوفيه أمام صفوة رجال الأعمال
الخديعة المُرّة: حينما أنقذت "رائحة الماضي" ما أفسده "جحود الحاضر"
"في الليلة التي وصف فيها (ياسين) زوجته بأنها مجرد (عاملة بوفيه) أمام صفوة رجال الأعمال، لم يكن يعلم أن طبق الذي كانت تعده في المطبخ الصغير، سيفتح له أبواب جهنم.. ويفتح لها هي أبواب المجد الذي حاول دفنه لسنوات."
الفصل الأول: زجاج لامع.. وأرواح باهتة
داخل شقة فاخرة في "الشيخ زايد"، في الطابق الأربعين حيث تطل النوافذ على برود المدينة وغطرستها، كان ياسين يتحرك كطاووس في حلته الإيطالية الزرقاء. الليلة هي ليلته الكبرى؛ ضيوفه ليسوا مجرد أصدقاء، بل هم مجلس إدارة كبرى شركات التطوير العقاري، وعلى رأسهم "إسماعيل بيه المنشاوي"، الرجل الذي يملك أن يرفعه لعنان السماء أو يلقي به في سلة المهملات بكلمة واحدة.
30 طبقاً من البورسلين الأبيض، 30 كأساً من الكريستال، وجدول أعمال مخفي خلف الابتسامات المزيفة. أما خلف الباب الخشبي الصغير للمطبخ، فكانت أمل تقف وحيدة.
أمل، ابنة "الحاجة فاطمة" التي كانت أشهر طباخة في سوق "السيدة زينب". أمل التي ورثت "نفس" جدتها في الأكل، كانت تعرق أمام قدور النحاس الثقيلة. رائحة "التقلية" والثوم والكزبرة كانت تملأ رئتيها، بينما المئزر القماش الأخضر الذي ورثته عن والدتها كان يلتف حول خصرها.
ياسين كان يمر أمام الضيوف قائلاً بزهو: "العشاء الليلة بلمسة (شيف خاصة) استقدمناها من مطعم عالمي متخصص في (المطبخ المصري المودرن)، لتقديم
لم يجرؤ ياسين أن يقول إن "الشيف" هي زوجته، ابنة الحارة التي تعلمت سر الصنعة فوق طبلية خشبية، لا في مطابخ باريس.
الفصل الثاني: البداية تحت المطر
قبل 7 سنوات، حين كان ياسين مجرد مهندس شاب يعمل في مشروع ترميم بمنطقة السيدة، دخل "دكان الحاجة فاطمة" وهو يرتجف من البرد والمطر. أمل قدمت له طبقاً من "الفتة بالخل واللحم المحمر". من أول قطمة، تجمد ياسين مكانة.
– "الأكل ده مش مجرد أكل.. ده سحر،" قال ياسين بذهول.
ردت أمل بخجل ابنة البلد: "الأكل اللي مبيتعملش بحب، مبيشبعش يا بشمهندس."
أحبها ياسين.. أو هكذا ظنت. تزوجها ونقلها لعالمه، وبدأت رحلة "المحو".
– "يا أمل، بلاش اللهجة دي قدام صحابي."
– "يا أمل، بلاش تلبسي العبايات المطرزة دي، خليكي مودرن."
– "يا أمل، ريحة الثوم والبصل بتمسك في الشقة، اطبخي حاجات خفيفة."
حتى جاءت اللحظة التي طعنها فيها في قلبها، حين سألته زوجة أحد المسؤولين عن عملها، فرد ياسين ببرود: "أمل مشغولة بإدارة البيت.. هي ست بسيطة جداً، مالهاش في الشغل."
"بسيطة".. كلمة وقعت على أذنيها كالصفعة.
الفصل الثالث: طبق الذكريات
في ليلة العشاء الكبرى، طلب منها ياسين بلهجة آمرة: "اطبخي حاجة فخمة، بس بلاش (روائح) قوية تخنق الناس."
لكن أمل، التي وصلتها رسالة بأن جدتها في السيدة زينب مريضة وياسين رفض أن يتركها تذهب لرؤيتها، قررت أن هذه الليلة ستكون ليلة "الصدق".
طبخت
وعلى الطاولة، رفع إسماعيل بيه الملعقة وتذوق الملوخية. فجأة، توقفت حركة يده. أغلق عينيه وتنهد بعمق كأن روحاً عادت إليه. ترك المائدة فجأة وتوجه بخطوات سريعة نحو المطبخ، وسط ذهول الجميع.
فتح باب المطبخ ليجد أمل، بوجهها المتعب وعينيها اللامعة بدموع مكتومة.
– "أنتي اللي طبختي ده؟" سألها إسماعيل بيه بصوت متهدج.
أجابت أمل برأس مرفوع: "أيوه يا فندم، أنا."
اقترب الرجل من القدر، واستنشق الرائحة وقال: "في سنة 1999، كنت شاباً ضائعاً، خسرت كل أموالي في البورصة وكنت أفكر في الانتحار. مشيت في شوارع السيدة زينب ودخلت دكاناً صغيراً، فطلبت مني سيدة عجوز أن آكل قبل أن أتكلم. قالت لي: (يا بني، مفيش راجل بيعرف ياخد قرار وعقله جعان.. كُل الأول وبعدين اتهدّ). ذلك الطبق أعاد لي الرغبة في الحياة. ومنذ ذلك اليوم وأنا أبحث عن هذا (النفس) في أفخم مطاعم لندن وباريس ولم أجده.. إلا هنا."
انهمرت دموع أمل: "دي كانت جدتي.. الحاجة فاطمة."
الفصل الرابع: السقوط والنهوض
في تلك اللحظة، اقتحم ياسين المطبخ ووجهه شاحب كالرماد.
– "إسماعيل بيه، أنا بعتذر جداً، أمل بس بتحب المطبخ الشعبي.. دي هواية، أكيد فيه غلط.."
قاطعه إسماعيل بيه بنظرة احتقار جعلت ياسين يتراجع:
"الغلط الوحيد هنا هو أنت يا ياسين. أنا بقالي سنين بقابل رجالة زيك، بيحاولوا يتمنظروا
الصمت خيم على الصالة. الجميع سمعوا "العلقة" الكلامية التي نالها ياسين.
التفت إسماعيل بيه لأمل وأخرج كارت شخصي:
"ابنتي ستفتتح أكبر فندق تراثي في الغردقة الشهر القادم. نحن نبحث عن (شيف تنفيذية) تدير المطبخ وتضع اسمها على القائمة. أريد روحكِ في ذلك المكان. الراتب سيكون راتب مدير، والحرية لكِ كاملة لطبخ ما تشائين.. وبطريقتك الخاصة."
نظرت أمل لياسين.. رأت فيه الرجل الذي حاول مسح ملامحها لسنوات. مسحت يدها في مئزرها الأخضر، وأخذت الكارت وقالت: "موافقة."
الفصل الخامس: لقمة الهناء
في الصباح، وجدها ياسين تجمع حقائبها. حاول الاعتذار، حاول شراءها ببوكيه ورد، لكن أمل كانت قد حزمت "مخرطة الملوخية" و"مئزر جدتها" وقبل كل شيء.. كرامتها.
– "أنت مكنتش عايز زوجة يا ياسين، أنت كنت عايز (برواز) يلمع صورتك. أنا جعت في البيت ده لسنوات.. والنهاردة قررت أشبع نفسي بعيد عنك."
تم الطلاق سريعاً. ياسين ظل في مكانه، موظفاً باهت الابتسامة، يرى صور أمل في المجلات تحت عنوان: "الشيف أمل.. التي أعادت للمطبخ المصري كرامته".
أما فندق "لقمة الهناء" في الغردقة، فقد أصبح مزاراً عالمياً. وفي مدخل المطبخ، علقت أمل مئزر جدتها الأخضر داخل إطار مذهب، كرسالة
"لا تسمحي لأحد أن يطفئ نار موقدكِ، فالرائحة التي يظنها البعض (بسيطة)، هي التي تصنع المعجزات."