كنت أظن أنني أطارد خائناً يبيع عائلته لكنني حين فتحت الباب وجدت رجلاً يرمم شظايا طفولته

لمحة نيوز

صياد القلوب المكسورة: سر زوج ابنتي الذي كاد أن يدمرنا

"كنت أظن أنني أطارد خائناً يبيع عائلته .. لكنني حين فتحت الباب، وجدت رجلاً يرمم شظايا طفولته التي لم يخبرنا عنها أبداً."

​وقفتُ على الرصيف أمام ذلك المبنى المتهالك المكون من ثلاثة طوابق، وقبضتي تعتصر حقيبتي بقوة حتى شعرت بألم في أصابعي. لافتة باهتة تعلو المدخل، قشرت حرارة الشمس وأمطار السنين طلاءها الأزرق، لكن الحروف كانت لا تزال تقرأ بوضوح: "دار الأمل لرعاية الأيتام".

​هذا ليس المكان الذي يزوره رجل كل يوم سبت ومعدات الصيد تملأ المقعد الخلفي لسيارته. هذا ليس المكان الذي يتناسب مع القصة القبيحة التي رسمتها في خيالي طوال الأسبوع.

بداية الشك: المكالمة المريبة

"ماما، بابا مش بيروح يصطاد.. بابا ريحته مش بحر، بابا ريحته خوف!"

بهذه الكلمات التي نطقت بها حفيدتي الصغيرة "ليلى"، بدأت كرة الثلج في التدحرج، لتكشف عن بئر من الأسرار كاد أن يبتلع بيتنا بالكامل.

​​بدأ الأمر ليلة الثلاثاء.. كان "ياسين" زوج ابنتي يقف في شرفة المنزل، وظهره للداخل. كنت مارة بالصدفة حين سمعت نبرة صوته؛ لم تكن نبرة الزوج الهادئ الذي نعرفه، بل كانت نبرة مترجية، منكسرة، وتكاد تكون باكية:

"أرجوكِ يا مريم .. حاولي تهديهم، أنا جاي السبت ومعايا اللي وعدتكم بيه.. متخليش حد فيهم يزعل مني، أنتم كل اللي ليا."

​تسمرتُ في مكاني. "مريم"؟ "كل اللي ليا"؟ ومن هؤلاء الذين سينتظرونه يوم السبت؟

ياسين ليس له عائلة سوى تلك الخالة البعيدة في الصعيد التي نادراً ما تتصل. شعرتُ بوخزة في قلبي؛ هل يخفي ياسين عائلة أخرى؟ زوجة؟ أطفالاً؟

شكوى الابنة: القشة التي قصمت ظهر البعير

​لم يمر يومان حتى دخلت عليّ ابنتي "نورهان" غرفتي، وعيناها حمراوان من أثر السهر. جلست أمامي وقالت بصوت مخنوق:

"ماما..

ياسين مبقاش ياسين اللي أعرفه. كل يوم سبت يجهز صنارته ويقول (رايح البحر أصفي ذهني)، ويرجع بشنطة السمك جاهزة ومتنظفة، لكن عينه فيها نظرة ذنب بتقتلني. ليلى الصغيرة بتقول لي إنها شافته بيعيط في العربية قبل ما ينزل، ولما سألته قال لها (عيني وجعاني من الشمس)."

​أمسكتُ يدها وأنا أحاول تهدئتها، لكن عقلي كان قد اتخذ قراره. هناك سر، والسر يُكشف دائماً في "يوم السبت".

​صباح السبت، راقبتُه وهو يضع أدوات الصيد في المقعد الخلفي كالمعتاد، يقبل رأس ليلى، ويودع نورهان بابتسامة باهتة لا تصل لعينيه. وبمجرد أن تحركت سيارته، كنتُ خلفه في "تاكسي"، أحث السائق على عدم فقده وسط الزحام.

كنت أظن أنني أطارد خائناً يبيع عائلته  لكنني حين فتحت الباب، وجدت رجلاً يرمم شظايا طفولته التي لم يخبرنا عنها أبداً."

​وقفتُ على الرصيف أمام ذلك المبنى المتهالك المكون من ثلاثة طوابق، وقبضتي تعتصر حقيبتي بقوة حتى شعرت بألم في أصابعي. لافتة باهتة تعلو المدخل، قشرت حرارة الشمس وأمطار السنين طلاءها الأزرق، لكن الحروف كانت لا تزال تقرأ بوضوح: "دار الأمل لرعاية الأيتام".

​هذا ليس المكان الذي يزوره رجل كل يوم سبت ومعدات الصيد تملأ المقعد الخلفي لسيارته. هذا ليس المكان الذي يتناسب مع القصة القبيحة التي رسمتها في خيالي طوال الأسبوع.

​نظرت إليّ سائق التاكسي عبر الزجاج الأمامي وكأنه ينتظر فضيحة مدوية، مشهداً لزوجة أخرى أو عشيقة تطل من الشرفة، لكن لا وجود لقبلات مسروقة ولا لفنادق رخيصة. هناك فقط مبنى صامت في حي صناعي قديم، وسيارة زوج ابنتي "ياسين" الرمادية القديمة مركونة بهدوء بجوار الرصيف.

المواجهة مع الحقيقة

​دفعتُ الحساب وخطوتُ في ضوء الشمس الشاحب وقلبي يقرع طبول الحرب. كنت قد هيأت نفسي للانفجار، لجمع الأدلة، لكشف الحقيقة من شعرها إن لزم

الأمر لحماية ابنتي "نورهان" من وجع الخيانة.

 لكن بدلاً من الغضب، تسلل إليّ ارتباك بارد.. إذا كان ياسين يكذب، فهو يكذب بلغة لا أجيد قراءتها.

​دخلت من الباب المفتوح قليلاً. استقبلتني رائحة غريبة: مزيج من المعقمات، الخبز الطازج، صابون الغسيل، وألوان الشمع، وصوت مرق طماطم يغلي في مطبخ قريب. رائحة توحي بالفقر، لكنها تعج بالحياة.

​في الممر، استقبلتني سيدة مسنة بنظارات طبية، نظرت إليّ بهدوء وقالت: "هل أساعدك؟"

قلت بصوت مرتعش: "أبحث عن.. ياسين مهران."

تغيرت تعبيراتها فوراً. لم يكن ارتياباً، بل كان "اعترافاً". قالت بلطف: "أنتِ من عائلته؟"

أجبت: "أنا حماته."

المشهد الذي كسرني

​قادتني السيدة عبر ممر ضيق. رأيت من الأبواب المفتوحة غرفاً بسيطة: غرف استذكار بطاولات مخدوشة، وغرفة خياطة بملابس متبرع بها مرتبة بدقة. قالت السيدة هامسة: "إنه يأتي كل سبت تقريباً منذ عام كامل."

​ثم تنحت جانباً.

نظرتُ للداخل، وتوقف كل شيء في عروقي.

​ياسين لم يكن يرتدي ملابس الميكانيكي التي يخرج بها، بل قميصاً قديماً وبنطال جينز، جاثياً على ركبتيه وحوله ثلاثة أطفال صغار. أحدهم يمسك سيارة مكسورة، والآخر ديناصوراً بلا ذيل، والأصغر -ربما في الخامسة- يجلس بتركيز شديد بينما يستخدم ياسين مفكاً صغيراً ليفتح غطاء سيارة إطفاء بلاستيكية.

​ضحك الأطفال فجأة، وضحك ياسين معهم وهو يسلم السيارة للصغير كأنه يسلمه كنزاً. في تلك اللحظة، رآني ياسين.

شحب وجهه تماماً. سقط المفك من يده. بدت عليه علامات الذنب، لكنه ليس ذنب الخيانة، بل ذنب السر الذي كُشف قبل أوانه.

سر السنوات العجاف

​خرجنا إلى ساحة خلفية تحت شجرة تين قديمة. بدأ ياسين يتكلم بصوت منخفض، صوت رجل يخشى أن تنهار جدران حياته إذا نطق بالحقيقة:

"أمي تركتني وأنا في السادسة.. وأبي ضاع في

دوامة الإدمان حتى اختفى. انتهى بي الأمر هنا وأنا في التاسعة."

​صدمتي كانت زلزالاً. ثلاث سنوات عاشها معنا، أكلنا وشربنا وتشاركنا تفاصيل البيت، ولم يقل كلمة واحدة!

سألته بذهول: "والخالة التي زارتنا بعد ولادة ابنتك؟"

أجاب بمرارة: "قريبة بعيدة، وجدتني وأنا في الثانية عشرة وانتشلتني من هنا. قبل ذلك.. كان هذا هو عالمي."

​سألته والدموع في عيني: "لماذا لم تخبرنا؟"

قال بيقين مؤلم: "لأن الناس حين يسمعون كلمة (دار أيتام)، يتغير كل شيء. يبدأون في البحث عن (الكسر) في وجهك. لم أرد أن تظن نورهان أنني (أقل) من الآخرين، أو أنني جئت من (لا مكان)."

العودة للديار.. والمواجهة الأخيرة

​عدنا للمنزل. كانت نورهان تلعب مع ابنتها الصغيرة "ليلى". دخلتُ والمواجهة كانت لا مفر منها. أخبرتها بكل شيء. بتتبعى لياسين، بالدار، بطفولته المنسية، وبكذبته البيضاء المصبوغة بالسواد.

​حين عاد ياسين في الرابعة عصراً، لم يجد استقبالاً عادياً. وجد "نورهان" تقف في منتصف الغرفة، وعيناها تلمعان بدموع الغضب والشفقة معاً.

قالت له بصوت مخنوق: "عشت معي ثلاث سنوات وأنت تظن أن حبي لك مشروط بشجرة عائلة؟"

قال ياسين بيأس: "كنت أحمي ما بنيناه."

ردت نورهان بقوة: "بل كنت تحمي الطفل الذي بداخلك، الذي لا يزال يظن أن كونه وحيداً هو سيجعلني أهرب منك."

​ساد الصمت. نظرتُ إليهما وأدركت أن الخيانة ليست دائماً امرأة أخرى، أحياناً تكون الخيانة هي أن تحرم من تحب من معرفة "حقيقتك" خوفاً من الرفض.

​​في ذلك المساء، لم يذهب ياسين للصيد مرة أخرى. في السبت التالي، لم تكن معدات الصيد في السيارة، بل كانت هناك "نورهان" و "ليلى" ومجموعة كبيرة من الألعاب الجديدة.

​لقد تعلم ياسين أن المواجع لا تُدفن، بل تُشفى حين نتشاركها. وأن الدار التي كانت يوماً سِجنه، أصبحت الآن المكان

الذي يثبت فيه لابنته ولزوجته، ولنفسه أولاً.. أن الرجل الحقيقي لا يقاس بماضيه، بل بقدرته على ترميم القلوب المكسورة، بدءاً من قلبه هو.

 

تم نسخ الرابط