​اليوم الذي خرجت فيه من المستشفى كان من يُفترض أن يكون أسعد أيام حياتي، لكنه تحول إلى بداية كابوس لم أتخيله قط.

لمحة نيوز

صرخة في موقف السيارات: سر الرباط الأزرق

​اليوم الذي خرجت فيه من المستشفى كان من يُفترض أن يكون أسعد أيام حياتي، لكنه تحول إلى بداية كابوس لم أتخيله قط. بعد ولادة عسيرة استمرت لأكثر من عشرين ساعة، وعملية قيصرية طارئة فقدت فيها الكثير من دمي، كنت أشعر أن روحي بالكاد ترد إليّ.

​بمجرد أن فُتح باب الغرفة بعد الولادة، لم تكن أمي هي من استقبلتني، بل كانت "حماتي - نادية".

​نادية لم تكن تبكي فرحاً فقط، بل كانت متمسكة بالصغير بشكل مريب. أسمته "عوضي من الدنيا"، ورفضت تماماً أن يلمسه أحد. حتى زوجي "كريم"، كان يحاول مداعبة ابنه فتقول له بحدة: "لا توقظه، نومه خفيف، دعه في حضني هو يشعر بالأمان هنا".

​كنت متعبة جداً، مفعول المسكنات يجعلني أرى الوجوه باهتة، فقلت لنفسي: "ربما هي فقط فرحة بأول حفيد لها". لكن تصرفاتها كانت تتجاوز الفرح؛ كانت تراقب الممرضات كالصقر، وتهمس في أذن الصغير بكلمات لم أفهمها، وعندما كانت الممرضة تأتي لتغيير ملابسه، كانت نادية تقف حائطاً سداً بينها وبين أي شخص آخر في الغرفة.

اللحظة الحاسمة

​حين جاء وقت الخروج، جهز كريم السيارة. كانت نادية تحمل الصغير وتلفه ببطانية صوفية ثقيلة رغم حرارة الجو، وكأنها تخفيه عن العيون. ركبنا السيارة، وبالكاد تحركت العجلات أمتاراً قليلة في ساحة الانتظار، حتى سمعنا صراخاً خلفنا.

​كانت "

الممرضة سارة"، التي أشرفت على حالتي، تركض خلف السيارة بأنفاس مقطوعة ووجه شاحب كالموتى. توقف كريم فزعاً، واقتربت سارة من نافذتي، وبدون أن تنطق بكلمة، درست في يدي ورقة مطوية بعناية، ثم تراجعت للخلف وهي تنظر لنادية بنظرة رعب، وهمست: "افحصي كاحل الطفل فور وصولك للمنزل.. الآن!".

​انطلقت السيارة، وقلبي بدأ يقرع كطبلة في صدري. نظرت لنادية، كانت تحتضن الطفل بقوة غير طبيعية، وعيناها تلمعان بتوتر غريب. حاولت أن آخذ منها الصغير بحجة أنني أريد إرضاعه، فرفضت في البداية، لكن مع إصراري وتدخل كريم، سلمتني إياه وهي ترتجف.

المفاجأة الصادمة

​بمجرد أن دخلنا المنزل، وتوجهت لغرفتي، أغلقت الباب بالمفتاح. كانت يدي ترتعش وأنا أفتح الورقة التي كتبت فيها الممرضة بخط مهتز: "تأكدي من الاسم على الرباط الطبي.. لا تثقي بأحد".

​بسرعة، سحبت البطانية الثقيلة، ورفعت طرف ملابس الصغير عن قدمه اليسرى. شعرت برعشة باردة تضرب عمودي الفقري، وكأن الدماء تجمدت في عروقي.

​الرباط البلاستيكي الأزرق الذي يوضع حول كاحل المواليد لم يكن يحمل اسمي. لم يكن مكتوباً عليه "ابن ليلى".

​كان المكتوب بخط مطبوع وواضح:

الأم: سمية عبد الرحمن

​نظرت لوجه الطفل بعمق.. للمرة الأولى أركز في ملامحه بعيداً عن غشاوة التعب. هذا ليس طفلي. الأنف، رسمة العين.. هذا ليس الطفل الذي وضعوه على صدري

لثوانٍ بعد الولادة.

​في تلك اللحظة، سمعت خبطاً عنيفاً على باب الغرفة، وصوت حماتي "نادية" يتحول من الحنان إلى فحيح مرعب وهي تقول: "افتحي يا ليلى.. الولد يحتاجني، هاتي الولد وعودي لسريرك.. أنتِ لا تعرفين مصلحته مثلي!".

​أدركت حينها أن "نادية" لم تكن مجرد جدة محبة، بل كانت تخطط لشيء أعمق.. شيء بدأ من داخل غرفة العمليات.

فتحت "ليلى" الباب ببطء وهي تحاول تماسك أعصابها، كانت "نادية" واقفة وعيناها تلمعان بنظرة غريبة، نظرة لم تكن فيها ذرة من الحنان الذي كانت تدعيه.

​"هاتي الولد يا ليلى، أنتِ لسه تعبانة ومش قادرة تشيليه،" قالتها نادية وهي تمد يدها لتخطف الطفل.

​تراجعت ليلى خطوة للخلف وقالت بصوت مهتز لكنه حاد: "الولد ده مش ابني يا طنط.. الرباط اللي في رجله عليه اسم واحدة تانية خالص. مين سمية عبد الرحمن؟ وفين ابني؟"

​ساد صمت مميت في الممر. وفجأة، تحول وجه نادية؛ اختفت ملامح الطيبة وظهر قناع بارد وقاسٍ. ضحكت ضحكة قصيرة مرعبة وقالت: "ابنك؟ أنتِ المفروض تشكريني.. ابنك كان هيموت، كان ضعيف ومش هيعيش، والست دي ولدت وماتت وهي بتولد، والطفل ده كان هيروح ملجأ. أنا بس بدلتهم عشان مكسرش قلبك وقلب كريم."

​ليلى صرخت وهي مشوشة: "بدلتيهم؟! يعني إيه؟ ابني فين يا مجنونة؟"

نادية ردت بمنتهى القسوة: "ابنك كان نازل ضعيف، ووزنه قليل، صرخته حتى كانت مكتومة.. مكنش

هيعيش يا كريم! لكن الطفل التاني (ابن سمية) كان وزنه مثالي، صحته حديد، وشكله يملى العين. أنا اخترت الأقوى لعيلتنا، اخترت اللي يشيل اسمك بجد مش اللي يندفن بعد يومين!"

​كانت بتتكلم وكأنها بتنقي "بضاعة" من على رف، مش روح وبني آدم!

نادية كانت راقبت الحضانة، واستغلت لحظة انشغال الممرضات، وبدلت الأساور الطبية بمنتهى الدهاء، وهي فاكرة إن محدش هيلاحظ لأن المواليد لسه ملامحهم متغيرة.

كريم كان واقف مشلول، بين أمه اللي خانت ثقته وبين مراته اللي بتنهار. لكن ليلى كانت أسرع، أخدت مفاتيح العربية وصرخت في كريم: "لو عايز تثبت إنك راجل وابن أصول، هتيجي معايا المستشفى نرجع ابننا، وأمك دي حسابها مع الشرطة."

​نادية حاولت تقفل باب الشقة وتمنعهم وهي بتصوت: "مش هتاخدوا الولد ده! ده حفيدي أنا اللي اخترته!"

​لكن كريم فاق من صدمته، وبحزم لم يسبق له مثيل، أبعد أمه عن الباب وقال لها بكسرة نفس: "أنتِ دمرتي كل حاجة يا أمي.. دمرتي صورتك في نظري."

​وصلوا المستشفى، وبمساعدة الممرضة سارة والشرطة، تم كشف المستور. الممرضة المرتشية اعترفت بكل شيء، وتم العثور على ابن ليلى الحقيقي في حضانة الحالات الخاصة، كان بيتنفس بهدوء، وكأنه كان مستني أمه ترجع له.

​ليلى ضمت ابنها الحقيقي وهي بتبكي بدموع حارقة، وفي اللحظة دي بس، حست إن روحها رجعت لها. أما نادية، فكان مصيرها التحقيق،

وانتهت علاقتها بكريم ليلتها، اللي اختار إنه يحمي بيته وابنه من جنون أمه.

 

تم نسخ الرابط