قدم لي عقد دهب هدية.. ومع أول ضوء للفجر، لقيت جوه العقد ورقة 'تأمين على حياتي' مكتوب عليها بخط إيده
"الساعة 11:15 بالليل قدم لي عقد دهب هدية.. ومع أول ضوء للفجر، لقيت جوه العقد ورقة 'تأمين على حياتي' مكتوب عليها بخط إيده: (بكرة بالليل.. خلي الموت يبان طبيعي)."
القصة: العقد المسحور
أنا من نوع الستات اللي اتبرمجت إنها تضحي براحتها عشان غيرها. قمت من مكاني في الميكروباص لست عجوزة، رغم إني راجعة من شغل "يهد الحيل" وتعبانة ومحدش بيقولي شكراً. الست العجوزة دي قبل ما تنزل في محطة قديمة وضلمة في آخر فيصل، مسكت معصم إيدي بقوة غريبة، صوابعها كانت باردة وناشفة زي الورق القديم، وبصت في عيني وقالت لي جملة خلت جسمي يتنفض: "لو جوزك جاب لك عقد هدية.. حطيه في مية قبل ما تلبسيه."
ضحكت بمرارة، الجملة كانت أغرب من إنها تكون حقيقية، بس نظرة عينيها كانت فيها تحذير مرعب خلى عضمي يبقى زي الزجاج.
لما وصلت بيتي، طردت الفكرة من دماغي. "خرافات عجايز" قلت لنفسي. أنا عندي مشاكل أهم؛ الإيجار فاضل عليه عشر أيام، ومديري في الشغل بيلمح بتسريح موظفين، وجوزي "منصور" بقى يرجع متأخر كل يوم بحجج ما بتركبش على بعضها، وريحة غريبة في قمصانه عمري ما شميتها قبل كدة.
جوازي من "منصور" كان عامل زي الضمادة اللي لزقت على الجلد من كتر القدم. تمن سنين من غير أطفال، فواتير مشتركة، روتين ممل، ومسافات بدأت تزيد.. تليفون دايمًا مقلوب على شاشته، مكالمات في الطرقة، ودش أول ما يدخل البيت كأنه بيغسل ذنب.
الساعة 11:15 بالليل، دخل منصور وهو مبتسم. مش ابتسامته العادية الباهتة، لأ، دي كانت ابتسامة مرسومة بدقة كأنه اتمرن عليها في المراية. حط علبة قطيفة كحلي على الرخامة وقال بنبرة غريبة: "ما تبصيليش كدة.. دي عشانك."
منصور مش بتاع هدايا. ده
- "جميل أوي يا منصور،" قلتها بصوت كأني مستلفاه من حد تاني.
- "البسيه دلوقتي،" رد بسرعة وهو بيقرب مني.
- "دلوقتي؟"
- "أيوه.. عايز أشوفه عليكي."
هنا رنت كلمة الست العجوزة في ودني كأنها واقفة ورايا وبتهس؛ حطيه في مية. ضحكت بتوتر وقلت له هغسل إيدي الأول. شفت في عينه نظرة مش غضب، لا، كانت لهفة محبوسة بصبر، زي صياد بيحاول ما يطفشش فريسته وهي على حرف المنحدر.
أول ما دخل يغير هدومه، مليت كوباية مية وحطيت فيها العقد، وسيبتها في ركن بعيد تحت إضاءة المطبخ الضعيفة. دخلت السرير جنبه ومثلت إني نيمة، وهو فضل صاحي يبص للسقف وقت طويل. وبعد نص الليل، سمعت صوت خطواته وهو رايح للمطبخ.. وقف شوية.. وبعدين رجع.
الساعة 6:03 الصبح، ريحة غريبة صحتني.
ريحة معدن، ريحة "صدأ" مصدي.. ريحة غلط. قمت حافية ورحت المطبخ، ووقفت مكاني مذهولة. المية في الكوباية ما كانتش صافية، كانت بقت تقيلة ولونها مايل للخضار، وعليها طبقة زيتية بتلمع. الدلاية الدهب "الدمعة" كانت اتفتحت من النص بخط رفيع جداً مستحيل يتشاف وهي ناشفة.
وفي قاع الكوباية، كان فيه شريط بلاستيك متطبق، وبودرة رمادي عاملة زي الرماد.
إيدي كانت بتترعش وأنا بطلع الشريط بالمعلقة. غسلته وفردته على فوطة المطبخ. كانت نسخة مصغرة من "بوليصة تأمين على حياتي"، وبإمضائي المزور، والمبلغ كان يخلي أي حد يبيع دينه عشان ياخده. وفي الركن، بخط منصور اللي أعرفه كويس، أربع كلمات شطبت على أي شك جوايا:
(بكرة بالليل.. خلي الموت يبان
سمعت خطواته في الطرقة. للحظة فكرت أهرب، بس أهرب فين ومعيش فلوس؟ حطيت الورقة في جيب الروب، ورميت العقد في الكوباية تاني، ولفيت وشي أول ما دخل المطبخ وهو بيهرش في شعره كأنه صباح عادي جداً.
عينه راحت فوراً على الكوباية. ملامحه اتغيرت، غضب مكتوم، وبعدين بلعه ورسم ضحكة ميتة:
- "إيه ده؟ إيه اللي حصل؟" هزيت كتفي ببرود: "تقريباً دهب مغشوش وصدا في المية.. أنا آسفة." السكون اللي ساد المطبخ كان تقيل زي مية الغرق. قال بصوت واطي: "غريبة.. هبقى أرجعه للمحل."
اليوم ده عديته وأنا مكنة ماشية على الأرض بس محروقة من جوه. في مكتبي في شركة المقاولات، الأرقام زغللت في عيني. استأذنت وكلمت شركة التأمين من تليفون عمومي. الموظفة قالت لي بصوت واطي: "يا فندم، المستفيد اتغير من 9 أيام.. بقى جوزك، الأستاذ منصور."
ما روحتش للبوليس فوراً. خفت. ابن عم منصور ظابط، ومنصور نفسه ملوش سوابق، ومحدش هيصدق إن "الزوج المثالي" بيخطط لقتلي. كلمت أختي "سعاد"، حكيت لها كل حاجة. سعاد كانت واضحة: "اجمعي هدومك واهربي فوراً."
بس كان فيه شوكة تانية في جسمي.. الست العجوزة عرفت منين؟ ده معناه إن فيه حد قريب منه هو اللي حذرها. كان لازم أعرف "بكرة بالليل" دي هيعمل فيها إيه.
رجعت البيت بضحكة صفراء، طبخت، اتكلمنا عادي. وبمجرد ما نام على الكنبة وتليفونه جنبه، خدته ودخلت الحمام. فتحت التليفون بكود شفته بيعمله قبل كدة في انعكاس الميكروويف.
الرسايل كانت مع حد مسميه "ر".
- "لازم يحصل بكرة.. مش عايز بهدلة في الشقة.. الكوخ أنضف."
- "هتيجي معايا لو رسمت عليها الحب والرومانسية." ورسالة من "ر" بتقول: "استخدم الدلاية لو قاومت.. جرعة صغيرة
كفاية تدوخها."
البودرة الرمادي ما كانتش رمزية.. ده كان مخدر، أو سم. منصور مش بس هيقتلني، ده كان عايز يوديني مكان بعيد ويخليها حادثة "وقوع".
تاني يوم، منصور جه ومعاه خطة "الصلح".
- "أنا فكرت.. إحنا محتاجين نبعد عن الدوشة. بكرة بالليل، هوديكي شاليه صغير على البحيرة بتاع واحد صاحبي.. نشوي، ونتكلم، ونبدأ من جديد."
الدعوة جت بالظبط زي ما الرسايل قالت. وافقت وأنا قلبي بيدق في رجلي.
رحنا الكوخ. ريحة المكان "كلور" بزيادة.. كلور عشان يداري أي ريحة تانية. منصور كان بيحاول يمثل دور الزوج المحب، بس عينه كانت بتلمع بلهفة غريبة.
واجهته فجأة: "غيرت بوليصة التأمين ليه يا منصور؟ ومين (ر)؟"
الوش وقع. الابتسامة اختفت وظهر وحش حقود.
- " (ر) تبقى رشا.. اللي بتفهمني وبتقدرني. إنتي كنتي مجرد وسيلة.. مرتبك، روتينك الممل، حياتك اللي خنقتني."
- "كنت هتقتلني عشان الفلوس؟"
- "إنتي اللي حبستيني في جوازة فاشلة، وكان لازم أخرج منها بمصلحة."
قام ووقف، وبدأ يقرب مني بخطوات هادية ومرعبة. في اللحظة دي صرخت بالكود اللي كنت متفقة عليه مع أختي والبوليس اللي بلغتهم في السر الصبح: "نسيت دوا الحساسية في العربية!"
الباب اتكسر. البوليس دخل قبل ما يلمسني بشبر.
التحقيقات كشفت إن منصور ورشا كانوا مخططين لكل حاجة. رشا كانت ممرضة مفصولة، وهي اللي جابت المادة المخدرة وهي اللي كانت بتدير "البيزنس". الست العجوزة طلعت "دادة" كانت شغالة عند رشا وسمعتهم وهما بيخططوا، وما قدرتش تسكت.
منصور ورشا خدوا حكم بالسجن المشدد. وأنا؟ أنا لسه بصحي من الكابوس ده كل يوم. بس الفرق إني دلوقتي لما بملى كوباية مية بليل وأسيبها على الرخامة.. مش