كان المفروض نكون لوحدنا.. البيت كان ضلمة، والمفاتيح في جيبي، والمنطقة كلها هادية. بس أول ما لمحت نظرة الرعب في عين جارتي وهي بتشاور على شباك صالتي، عرفت إن اللي جوه بيتي مش مجرد حرامي..

لمحة نيوز

"كان المفروض نكون لوحدنا.. البيت كان ضلمة، والمفاتيح في جيبي، والمنطقة كلها هادية. بس أول ما لمحت نظرة الرعب في عين جارتي وهي بتشاور على شباك صالتي، عرفت إن اللي جوه بيتي مش مجرد حرامي.. ده حد عارف البيت أكتر مني!"

ليلة "الضيف" الغامض

​كانت الساعة داخلة على عشرة بليل، والهدوء في حي "الياسمين" الهادي بمدينة المنصورة يخليك تسمع دقات قلبك. الجو كان فيه لسعة برد خريفية تخترق العضم، وصوت ورق الشجر الناشف وهو بيتحرك على الرصيف كان عامل زي ما يكون حد ماشي ورانا.

​كنت راجع بالعربية ومعايا ابني "ياسين"، طفل عنده 8 سنين، كان غرقان في النوم في الكرسي اللي جنبي، وفي إيده كيس "فشار" متبقي من عيد ميلاد ابن عمه اللي كنا فيه. كنت هلكان من الشغل، وكل اللي في بالي إني أدخل، أطمن إن ياسين غسل سنانه، وأرمي جسمي على السرير.

المفاجأة الصادمة

​أول ما قربت من البيت، لمحت جارتي "ست هدى" واقفة قدام بيتها، أول ما شافت كشافات عربيتي، فضلت تلوح بإيدها بشكل هستيري.. مش مجرد سلام جيران، دي كانت بتستغيث!

​نزلت إزاز العربية بسرعة، ولقيتها بتقرب وهي بتنهج وصوتها طالع بالعافية:

"يا خالد.. أوعى تفتح باب بيتك! أنا شفت خيال حد جوه.. حد غريب بيتحرك في الصالة ونور المطبخ اتطفى وولع لوحده!"

​جسمي اتنفض، بصيت لبيتي.. الضلمة كانت مسيطرة

عليه، بس كان فيه حاجة غلط. مكنتش عارف أعمل إيه، بس غريزة الأب خلتني أقفل الأبواب على ياسين اللي لسه نايم، وطلعت موبايلي وطلبت النجدة وأنا إيدي بتترعش.

وصول الشرطة

​دقايق والشرطة وصلت، نزل ضابط شاب ومعاه عسكريين، وبدأوا يقربوا من البيت بحذر شديد. أنا كنت واقف بعيد وقلبي هيقف من الرعب، يا ترى مين اللي دخل؟ هل حرامي؟ ولا حد قاصدني أنا وابني؟

​الضابط قرب من شباك الصالة اللي في الدور الأرضي، وسحب كشافه وبدأ يسلط الضوء لجوه ببطء. فجأة، الضابط وقف مكانه زي الصنم، ملامح وشه اتغيرت من الجدية والترقب لذهول تام.

​همس الضابط بصوت مسموع بالعافية:

"مش ممكن.. أنا مش مصدق اللي أنا شايفه!"

ما وراء النافذة

​الكل جمد في مكانه. الضابط أشار لي أقرب منه وهو لسه باصص من الشباك. قربت وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني، وبصيت من ركن الشباك..

المشهد كان أبعد ما يكون عن توقعاتي.

​جوه الصالة، مكنش فيه حرامي بيسرق الذهب، ولا مجرم مستنينا.. كان فيه راجل عجوز، لابس بيجامة قديمة جداً ومتهالكة، قاعد على الكرسي الهزاز بتاعي، وماسك في إيده ألبوم صور العيلة بتاعي وقاعد يقلب فيه وهو بيبكي بحرقة وصمت، وعلى التربيزة جنبه "راديو" صغير شغال بصوت واطي جداً على أغنية قديمة لأم كلثوم.

الحقيقة المؤلمة

​الضابط فتح الباب بهدوء ودخلنا. الراجل

العجوز أول ما شافنا، مخافش ولا جري، بص لنا بعيون تايهة وقال:

"اتأخرتوا ليه يا ولاد؟ أنا استنيتكم كتير عشان نتعشى سوا.. البيت ده وحشني أوي."

​اتضح إن الراجل ده هو "الحاج عبد العزيز"، صاحب البيت الأصلي اللي عاش فيه أكتر من 40 سنة قبل ما أنا أشتريه من ولاده بعد ما تعب وفقد الذاكرة (ألزهايمر). الحاج عبد العزيز كان هرب من دار المسنين القريبة، ورجليه خدته لبيته القديم، البيت اللي فيه كل ذكرياته، واستخدم مفتاحه القديم اللي كان لسه محتفظ بيه في جيبه طول السنين دي ودخل "بيته" عشان ينام في أمان.

بعد ما هديت الأجواء شوية، الضابط فحص المحفظة اللي كانت مع "الحاج عبد العزيز"، ولقى فيها كارت صغير مكتوب عليه رقم تليفون ابنه تحت عنوان "في حالة الطوارئ". الضابط بص لي وكأنه بيستأذنني، فأومأت له براسي، وفعلاً اتصل بالرقم.

​كانت الساعة داخلة على ١١ بليل، والصمت في الصالة مبيقطعهوش غير صوت "تكة" الساعة اللي على الحيطة ونفس الحاج عبد العزيز الهادي وهو بيتفرج على صور ياسين ابني وكأنه عارفه من سنين.

وصول الابن الملهوف

​مفيش ربع ساعة، ولقينا عربية فرملت قدام البيت بصوت عالي. نزل منها راجل في أواخر الأربعينات، وشه كان شاحب وعينه باين عليها قلق رهيب. ده كان "أستاذ عصام"، ابن الحاج عبد العزيز. أول ما دخل وشاف والده قاعد في مكانه القديم،

ركبه خارت ووقع على الأرض قدامه وهو بيبكي.

"يا بابا! حرام عليك.. بقالنا ٦ ساعات بنلف عليك في كل الشوارع والمستشفيات، قلبي كان هيوقف!"

​الحاج عبد العزيز بصله بابتسامة هادية جداً وقاله ببراءة تقطع القلب:

"ليه يا عصام قلقت؟ أنا في بيتي يا ابني.. كنت مستنيكم ترجعوا عشان نفتح ألبوم الصور ده سوا."

لحظة اعتذار وعهد جديد

​عصام بص لي وعينه مليانة كسوف وندم، وقال بصوت واطي:

"أنا بجد مش عارف أعتذر لك إزاي يا أستاذ خالد. إحنا اضطرينا نوديه الدار عشان حالته محتاجة رعاية طبية ٢٤ ساعة وأنا وشغلي.. بس مكنتش متخيل إنه لسه فاكر تفاصيل البيت ده لدرجة إنه يهرب ويرجع له."

​قربت منه وطبطبت على كتفه وقلت له:

"البيت ده هو اللي اختاره يا أستاذ عصام، ومفتاحه لسه شغال في الباب وفي قلبه. بدل ما نوديه دار، حاولوا تجيبوه هنا يزور البيت من وقت للتاني، أنا بيتى مفتوح له في أي وقت."

الوداع

​عصام شال والده بالراحة، والحاج عبد العزيز قبل ما يخرج، لف وبص للصالة نظرة أخيرة وكأنه بيودع الحيطان. ياسين ابني كان صحي وشاف المشهد، فطلع من جيبه "شيكولاتة" كان شايلها واداها للحاج عبد العزيز. العجوز ضحك وباس راس ياسين، وكأن جيل بيسلم جيل سر الأمان في البيت ده.

​مشيوا، وقفلت الباب وراهم، بس المرة دي مكنتش حاسس بالخوف. بالعكس،

حسيت إن البيت بقى فيه "بركة" مكنتش موجودة، وإن الحيطان اللي شهدت عمر الحاج عبد العزيز، النهاردة اتنفست روح جديدة.

 

تم نسخ الرابط