انا السباك اللي دافع تمن الليلة دي بحلول الوقت اللي وقفت فيه في فرح ابني
أنا السباك اللي دافع تمن الليلة دي"
بحلول الوقت اللي وقفت فيه في فرح ابني، كنت خلاص اتعلمت أصعب درس ممكن يتعلمه أب في حياته: إن الحب مش بيمنع ولادك إنهم يكونوا قاسيين معاك.
القاعة في التجمع الخامس عبارة عن لوحة فنية، ورد مستورد مالي المكان، ونجف كريستال بيخطف العين. حوالي ربعمائة شخص من "صفوة المجتمع" قاعدين على ترابيزات مزينة بشموع عطرية، وويترات ببدل شيك بيقدموا أطباق سعر الواحد فيها يساوي تموين بيت كامل لمدة شهر. بره، كانت العربيات الفارهة راكنة صفوف، وجوه، كل حاجة كانت بتلمع.. بتلمع بفلوسي أنا.
ابني "ياسين" مسك المايك، وهو راسم على وشه الابتسامة اللي اتدرب عليها سنين عشان يبان إنه ابن ناس "هاي كلاس". شكر عروسته "ليلى"، وشكر حماه وحماته، وشكر صحابه اللي جايين من دبي وأوروبا والجونة. شكر الـ Wedding Planner بالاسم، وشكر الفرقة الموسيقية.
وبعدين التفت للترابيزة اللي أنا قاعد عليها، ولسه الابتسامة على وشه:
"وطبعاً.. شكراً لوالدي إنه قدر يحضر النهاردة. هو مجرد سباك بسيط، بس دايماً بيحب يحس إنه مشاركنا اللحظات دي."
في ناس ضحكت. مش ضحك عالي، بس كفاية إنه يشرخ قلبي. الضحكة اللي الناس بتضحكها لما ميبقوش عارفين هو ده هزار ولا اعتراف بكسرة نفس؟
أنا مكنتش حاسس بوجع، كنت حاسس بـ "تنوير". خيط أبيض وواضح ربط كل الشهور اللي فاتت من تجاهل، وتقليل، ومحاولات ياسين إنه "يمسح" أصلي من قدام نسايبه الجداد.
بصيت حواليا.. بصيت للستات اللي لابسين حرير ووقفوا شرب وهما بيبصوا
في اللحظة دي.. قمت وقفت.
قفلت زرار البدلة بتاعتي بهدوء.
ومشيت لحد المايك.
ياسين رجع لورا خطوة، لسه مبتسم، بس ملامحه اتغيرت أول ما قربت من المايك ومردتش الابتسامة. قلت سبع كلمات بس، هزوا القاعة:
"أنا السباك اللي دفع تمن الليلة دي كلها."
القاعة بقت زي القبر. السكوت مكنش مجرد غياب صوت، السكوت كان له "وزن"، نزل على الناس زي الحجر. وش ياسين بقى لونه أبيض زي الكفن، وكأن حد سحب منه الدم.
البداية.. العرق اللي بنى القصور
اسمي "الحاج رضوان". عندي 63 سنة. قضيت عمري كله في حي شعبي أصيل. ورثت ورشة سباكة من أبويا، ورشة بدأت بشنطة عدة وعربية نص نقل ومجهود يهد جبال.
كبرت في بيت جدرانه شبعانة عرق. أبويا كان ريحته دايماً نحاس وعرق وشغل، بس كان بيقولي كلمة مصلوبة في ودني لحد النهاردة: "الناس مابتحسش بالسباك غير لما المواسير تضرب والبيت يغرق.. ساعتها بس بيعرفوا إننا مش قليلين، إحنا الأساس."
اتعلمت الشغلانة وبقيت "أسطى" بجد. بقيت بقرأ الخرائط أحسن من المهندسين، وبطلع العيب من تحت الأرض. وسعت الورشة، وبقى عندي أسطول عربيات وعقود مع مستشفيات وشركات كبيرة. كنت بشتغل 18 ساعة في اليوم عشان عيالي مبيحسوش بنقص.
اتجوزت "زينب"، ست بـ 100 راجل. كانت هي الحنية وأنا
بعد موتها، الدنيا اتقسمت. بنتي "هنا" جريت عليا، شالت هم البيت معايا، كانت بتطبخ وتغسل وتذاكر وتراعي شيبتي. لكن "ياسين".. "ياسين" جري لبره.
التنكر.. لما الدم يتبري من أصله
ياسين كان عايز دايماً "الأشيك"، "الأغلى"، "الأسهل". كان بيتكسف من جزمي اللي فيها طين الشغل. لما كبر ودخل جامعة خاصة بفلوسي، بدأ يتكلم لغة تانية. لغة "البريستيج" و"المظهر العام". بدأ يغير لهجته، ويصلح لي كلامي قدام صحابه.
كنت بقول "مش مهم.. شاب وعايز يعيش حياته". لحد ما قابل "ليلى" بنت "رأفت بيه". عيلة عايشة في مجمع سكني مقفول، بيعتبروا الشغل بالايد ده "بيئة".
في أول عزومة، ياسين قدمني ليهم وقال: "بابا بيدير شركة مقاولات بنية تحتية."
قلت في سري "ماشي.. هي السباكة بنية تحتية برضه".
بس الموضوع زاد. بقى يقول "رئيس مجلس إدارة مجموعة خدمية". كان بيخجل ينطق كلمة "سباك".
لما جه ميعاد الفرح، "رأفت بيه" رسم خيال واسع.. فرح بـ 3 مليون جنيه! ياسين جالي بالليل، وشه في الأرض، وقال لي: "يا بابا، رأفت بيه فلوسه كلها في عقارات وسوق نايم، مش معاه سيولة للفرح اللي ليلى تستاهله.. وأنا مش عايز أبان صغير قدامهم."
أنا كنت شايل قرشين للزمن، وكنت شاري شقة ومأجرها. كان ممكن أرفض، بس سمعت صوت "زينب" الله يرحمها وهي بتقولي "افرح بابنك يا رضوان".
قلتله: "اعتبره حصل يا ابني.. أنا هدفع."
طول 6 شهور تجهيزات،
وفي الفرح، لما قال كلمته المهينة دي، كان خلاص الكيل طفح.
وقفت قدام الميكروفون وقلت للكل:
"أنا سباك بقالي 46 سنة. أبويا كان سباك. بمهنتي دي علمت عيالي في أحسن مدارس، وفتحت بيوت ناس شغالة معايا، وبنيت مستقبلي من غير ما أمد إيدي لحد. مفيش حاجة اسمها 'مجرد سباك'. السباك هو اللي بيخلي المستشفى نظيفة عشان تعالج المرضى، وهو اللي بيخلي بيوتكم دي قابلة للسكن."
بصيت لياسين وقلتله: "أنا عمري ما اتكسفت من إيدي اللي تعبت عشانك، أنا اتكسفت منك أنت لما حاولت 'تمسح' تعبي عشان ترضي ناس مش شايفينك غير باللي في جيبك. الفرح ده مدفوع تمنه من مية وشقا السباك اللي أنت مكسوف منه."
نزلت من على المسرح وسط ذهول الكل. القاعة اتقلبت، ورأفت بيه كان وشه بيجيب ألوان.
بعد الفرح، ياسين جالي الورشة. كان كاسر عينه في الأرض.
قلتله: "الفلوس اللي دفعتها في الفرح، والديون اللي سددتها عنك، دي 'دين' في رقبتك.. هتسدده قرش بقرش من مرتبك. والشركة والورث، مفيش مليم هيتكتب باسمك غير لما تتعلم قيمة الشغل وتعرف إن الهدوم النظيفة مش هي اللي بتعمل راجل."
ياسين اتعلم الدرس قاسي. بدأ ينزل الورشة معايا، وبدأ يفهم إن "الأساس" أهم من "المظاهر".
والحقيقة اللي لازم كل أب وأم يعرفوها:
"الحب مش معناه إنك تمسح كرامتك عشان ولادك يرضوا عنك..