لو رقصت معاها عشر دقايق بس.. هخليها ترمي الكرسي ده وتمشي على رجليها تاني!".. الكلمات دي مكنتش طالعة من دكتور عالمي، دي كانت طالعة من طفل شحات، هدومه مقطعة، واقف قدام ملياردير خسر نص ثروته عشان بنته
لو رقصت معاها عشر دقايق بس.. هخليها ترمي الكرسي ده وتمشي على رجليها تاني!".. الكلمات دي مكنتش طالعة من دكتور عالمي، دي كانت طالعة من طفل شحات، حافي، هدومه مقطعة، واقف قدام ملياردير خسر نص ثروته عشان بنته تخطي خطوة واحدة!
في قلب القاهرة وتحت قطرات المطر شتوية لم ترحم أحداً، كان "ياسين " واقف زى الجبل المكسور ماسك مظلة سوداء ضخمة ليحمي ابنته "سلمى" صاحبة الـ11 عاماً، الجالسة في كرسيها المتحرك بنظرات باهتة لا حياة فيها. ياسين، الملياردير الذي يمتلك نصف أبراج العاصمة، كان يعيش في جحيم منذ سنتين؛ منذ ذلك الحادث المشؤوم الذي خطف زوجته وترك ابنته جسداً بلا روح، مشلولة طبياً رغم أن كل الفحوصات تقول إن أعصابها سليمة.
وسط هذا المشهد الكئيب، ظهر "زين". طفل لم يتجاوز الثانية عشرة، بملابس رثة، وقدمين حافيتين تماماً فوق أسفلت "الزمالك" البارد، ووجه رسمت عليه شوارع المحروسة قسوتها، لكن عينيه كانتا تشعان ببريق غريب.
"خليني أرقص معاها.. وهخليها تمشي على رجليها تاني"، خرجت الكلمات من فمه بلهجة واثقة هزت كيان ياسين.
التفت إليه ياسين والغضب يغلي في عروقه: "إنت بتقول إيه يا ولد؟ أنا صرفت ملايين في ألمانيا وأمريكا مع أكبر دكاترة مخ وأعصاب، وجاي إنت يا شحات يا ضايع توهمني بمعجزة؟"
رد زين بهدوء كأنه رجل في الخمسين: "يا بيه، أختي كانت زيها لما أمنا سابتنا وهربت.. جسمها كان سليم بس عقلها هو اللي كان رافض يتحرك. أنا شفيتها
بالرقص.. الروح لما بتفرح، الجسم بيسمع الكلام."كان ياسين على وشك طرده، لولا يد "سلمى" النحيفة التي أمسكت بيده وهمست لأول مرة منذ شهور: "بابا.. خليه يحاول."
المعجزة تبدأ..
فتح ياسين أبواب قصره الفخم لزين. كان الصبي يأتي ثلاث مرات أسبوعياً، لا يحمل معه أدوية، بل راديو قديم يعمل بالبطاريات. كان يشغل موسيقى هادئة، ويتحرك أمام سلمى بخفة، يعلمها كيف تشعر بالإيقاع في قلبها قبل أقدامها.
لكن في هذا القصر، كانت تسكن "الهانم خديجة"، والدة ياسين. امرأة من طراز أرستقراطي متعجرف، ترى الفقراء مجرد حشرات. كانت تنظر لزين بتقزز وتقول لابنها: "إنت لوثت سمعة ااعيلة يا ياسين! جايب شحات من الشارع يلمس بنتك؟ ده أكيد حرامي وهيسرقنا!"
تجاهلها ياسين، خاصة حين رأى المعجزة بعينه. في الجلسة الخامسة عشرة، وبينما كان زين يرقص "تنورة" شعبية خفيفة على أنغام مبهجة، تحركت أصابع قدم سلمى اليمنى! سقط ياسين ساجداً يبكي من الفرحة، بينما كانت سلمى تضحك بدموع محبوسة.
المؤامرة الدنيئة
لم تتحمل خديجة الهانم هذا الانتصار. في نفس اليوم، اقتحمت الشرطة القصر بصحبة امرأة غريبة، تبدو عليها علامات الإدمان والضياع، تصرخ بهستيريا: "هو ده الملياردير اللي خطف ابني! اقبضوا عليه!"
كانت هذه "نبوية"، والدة زين الحقيقية. خديجة الهانم لم تجلس صامتة، بل استأجرت مخبرين للبحث عن أم الصبي، وأعطتها مبلغاً ضخماً لتتهم ابنها بالاختطاف وتلفق قضية لياسين،
لتبعد "البيئة القذرة" عن قصرها.تم سحب زين بالقوة وهو يصرخ: "يا ماما حرام عليكي! سيبيني هنا!"، بينما كانت الهانم تقف ببرود تداعب عقد ألماسها وتقول: "نظفنا البيت من الزبالة يا ياسين.. هتشكرني بعدين."
الحقيقة التي زلزلت الأرض
ياسين لم يستسلم. في خلال 48 ساعة، كان محاميه الخاص "الأستاذ كمال" يطرق باب مكتبه بوجه شاحب كالموتى. وضع ملفاً أصفر على الطاولة وقال بصوت مرتعش: "ياسين بيه.. إحنا كشفنا حسابات والدتك وفعلاً هي اللي دفعت لنبوية.. بس المصيبة مش هنا."
أخرج المحامي صوراً من حادث زوجة ياسين قبل سنتين، وصورة لبصمات رُفعت من سيارة النقل المسروقة التي صدمت زوجته وهرب سائقها.
"السواق اللي كان سكران وخبط مدام "أمل" وهرب.. هو اخو نبوية بمساعدتها ، أم زين! هي اللي قتلت مراتك وشلت بنتك!"
وقع ياسين على ركبتيه. صرخة مكتومة خنقت أنفاسه. الطفل الذي أحبه واعتبره منقذاً، هو ابن المرأة التي دمرت حياته. القدر كان يمارس لعبة سادية مع عائلة الألفي.
اندفع ياسين مع الشرطة إلى الغرفة الحقيرة التي كانت تختبئ فيها نبوية. قبضوا عليها بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب، وبإعادة فتح ملف الحادث القديم. كان زين في الزاوية، يرتجف رعباً وهو يحتضن أخته زينة …..
نظر ياسين لزين و أخته.. رأى في عينهم نفس نظرة القاتلة، لكنه رأى أيضاً اطفال ضحية لامهم القاتلة وعايشين حياتهم يكفر عن ذنوب لم يرتكبها.
في تلك اللحظة، قرر ياسين أن يكسر
دائرة الكراهية. أخذ زين و اخته من يدهم وعاد بهم للقصر.عندما دخلوا، كانت خديجة الهانم تجمع حقائبها للهرب، لكن ياسين وقف أمامها كالقضاء المستعجل: "إنتي بالنسبة لي موتي من النهاردة. اطلعي بره حياتنا، كرهك هو اللي جاب لنا الدم لحد بيتنا!"
حاول زين الهرب وهو يبكي: "أنا ابن مجرمة! أنا دمي نجس! سيبوني أمشي!"
ركض نحو الباب، لكن جسد ياسين لم يسعفه ليلحق به.
وفجأة.. سكن القصر كله.
"زيييييين! استنى!" صرخة هزت أرجاء المكان.
سلمى، التي لم تقف على قدميها لعامين، ضغطت على جوانب الكرسي بكل قوتها. الأدرينالين، الخوف من فقدان صديقها الوحيد، والحب الصافي.. كلها كانت أقوى من أي شلل.
وقفت سلمى!
اهتزت قدماها، تعثرت، لكنها خطت خطوة.. ثم ثانية.. ثم ثالثة. ارتمت في حضن زين قبل أن يخرج من الباب، وسقطا معاً على الأرض يبكيان.
همست سلمى في أذنه: "إنت مش هي.. إنت الملاك اللي ربنا بعته يرجع لي روحي. ما تمشيش."
النهاية: دار "الأمل وزين"
مرت السنوات. نبوية نالت جزاءها بالسجن المؤبد. وخديجة الهانم انتهت وحيدة في شقة منعزلة يأكلها الندم.
أما ياسين، فقد تكفل بزين واخته رسمياً و فتح لهم دار الامل و الزين …..
واليوم، في حي "السيدة زينب"، يرتفع مبنى ضخم يحمل اسم "مركز الأمل"، أكبر مركز لعلاج ذوي الاحتياجات الخاصة بالفن والرقص. وفي قاعة التدريب، يقف زين وسلمى، شابان ممتلئان بالحياة، يعلمان الأطفال أن الشفاء الحقيقي يبدأ من
مسامحة الماضي، وأن الشخص الذي تظن أنه جاء ليدمرك، قد يكون هو الوحيد الذي سيجعلك تمشي من جديد.