"أصعب حاجة ممكن يعملها أب، إنه يزور قبر ولاده كل أسبوع وهو مش عارف إنهم في نفس اللحظة دي بيبكوا
"أصعب حاجة ممكن يعملها أب، إنه يزور قبر ولاده كل أسبوع وهو مش عارف إنهم في نفس اللحظة دي بيبكوا من البرد في مكان مش بعيد.. ومستنينه ينقذهم."
كان المطر ينهمر بغزارة فوق "مقابر الخالدين" بالقاهرة، وكأن السماء تشارك ياسين الشافعي، أحد حيتان العقارات في مصر، نواحه الصامت. وقف ياسين بجسده الضخم الذي هزله الحزن أمام رخامة باردة نُقش عليها اسمان: "آدم وزياد ياسين الشافعي". بجانبه كانت زوجته نيرمين، غارقة في معطفها الأسود، ترتجف لا من البرد، بل من ذكرى ذلك الحادث الأليم الذي خطف طفليها في لمح البصر.. حادث طريق، فوضى في المستشفى، جثث مشوهة قيل إنها لهما، وصناديق مغلقة دُفنت بسرعة مريبة تحت ذريعة "إجراءات الطوارئ".
بينما كانت نيرمين تهمس بآيات من القرآن وصوتها يتقطع، شعرت بحركة خلفها. طفل لم يتجاوز الثالثة عشرة، نحيل للغاية، ملابسه رثة ومبللة تماما، كان يقف بعيداً يمسك بقطعة خبز "فينو" ملفوفة في ورق جرائد.
اقترب الصبي بخطوات حذرة ونطق بصوت خفيض:
- "يا باشا.. العيال اللي مكتوب أساميهم هنا، مش ساكنين هنا."
التفت ياسين بحدة، وعيونه المتعبة تشتعل غضباً:
- "أنت بتقول إيه يا ابني؟ اتمشى من هنا مش وقتك خالص."
لكن الصبي، الذي يدعى نادر، لم يتحرك. قال بيقين غريب:
- "والله يا باشا أنا شفتهم النهاردة الصبح. أكلت معاهم لقمة. واحد منهم عنده وحمة صغيرة زي الهلال في معصم إيده الشمال."
سقطت المظلة من يد نيرمين. تلك "الوحمة" لم يكن يعلم بها إلا هي وياسين والطبيب. اقترب ياسين
من الصبي، أمسكه من كتفيه بلهفة مرعبة:
- "أنت عارف لو بتكذب هعمل فيك إيه؟ عيالي ماتوا واندفنوا هنا من شهور!" نادر رد بهدوء الصغار الذين قست عليهم الحياة:
- "أنا مش بكذب.. هما دايمًا نايمين في حضن بعض، حتى وهما بردانين مابيسيبوش إيد بعض أبدًا."
بداية الحقيقة:
نادر بحكم إنه "سريح" في المنطقة، كان بيشوف ياسين ونيرمين كل أسبوع تقريباً. عربية ياسين الفارهة (المرسيدس السودة) وسواقه الخاص وشكل ياسين اللي ملامحه مالية إعلانات العقارات في شوارع مصر، خلت نادر يحفظ الوش ده كويس..
في اليوم اللي بدأت فيه القصة، نيرمين وهي بتعيط قدام القبر، نادت بأسامي ولادها بصوت عالي: "يا آدم.. يا زياد.. وحشتوني يا حبايبى". نادر لما سمع الأسامي دي، "اللمبة نورت" في دماغه، لأن الأسامي دي هي نفس الأسامي اللي كان بيسمع التوأم بينادوا بيها بعض في الملجأ المهجور "يا آدم هات لقمة.. يا زياد أنا سقعان".
نادر دخل "يجر شكل" بالكلام عشان يتأكد، ولما شاف رد فعل ياسين العنيف في الأول، رمى له "السر" اللي أكد لياسين إن نادر مش شحات.. اللي هي "وحمة الهلال". نادر شافها وهو بيقسم معاهم رغيف العيش الصبح في الملجأ لما شمروا كمامهم عشان يغسلوا إيديهم من الحنفية اللي بتنقط.
لم ينم ياسين ونيرمين تلك الليلة. ياسين، بعقله الذي يدير إمبراطورية، بدأ يراجع أوراق القضية برؤية مختلفة. "ليه المستشفى أصرت على الدفن السريع؟ ليه التوقيعات على تصاريح الدفن شكلها (كربون) من بعض؟". اكتشف أن هناك فجوة زمنية مدتها ساعتان بين إعلان
الوفاة وبين خروج الجثامين، ساعتان كفيلتان بقلب القدر.في الصباح، التقيا بنادر الذي قادهما إلى منطقة "خلف المصانع" في أطراف القاهرة، حيث مبنى قديم متهالك كان في الأصل ملجأً خاصاً صدر قرار بإغلاقه. دخلوا الممرات الضيقة التي تفوح منها رائحة الرطوبة والإهمال.
أشار نادر لغرفة في نهاية طرقة مظلمة. دفع ياسين الباب بقلب يدق كطبول الحرب.. وعلى مرتبة مهترئة فوق الأرض، وجد طفلين يلتصقان ببعضهما البعض. شحب وجه نيرمين وسقطت على ركبتيها وهي تصرخ بأسماء صغارها.
كانت الصدمة أن الطفل الأصغر لا يزال يرتدي في يده "سوار المستشفى" البلاستيكي الباهت، وعليه لقب "الشافعي". لم يكن حلماً، كانا أحياء، لكنهما كانا ينظران للأب والأم بنظرة خوف وتوجس، كأنهم غرباء.
ظهرت مديرة الملجأ، امرأة تدعى سهام، بدت عليها علامات الارتباك والخوف. قالت وهي ترتعش:
- "يا فندم إحنا جالنا تعليمات إن دول حالات مجهولة الهوية من الحادثة، وإن أهلهم اتوفوا. الورق جه متستف وجاهز وماحدش سأل عليهم يوم واحد!"
حاولت نيرمين أخذ طفليها فوراً، لكن فجأة اقتحم المكان موظفون من وزارة التضامن ومعهم قرار إخلاء فوري للملجأ لنقل الحالات لجهة أخرى مجهولة. أدرك ياسين أن هناك "يداً خفية" تسرع وتيرة الإخفاء بمجرد أن بدأ هو بالبحث.
بذكاء رجل الأعمال، بدأ ياسين يتتبع خيوط الأوراق الرسمية التي تسببت في الكارثة. ومن وسط الملفات، ظهر اسم كان بمثابة الصاعقة: "فريد زهران".
فريد هو الذراع الأيمن لـ "شهيرة هانم"، زوجة ياسين الأولى التي
طلقها قبل سنوات بعدما حاولت السيطرة على أملاكه وهى ام ابنته.واجه ياسين "شهيرة" في فيلتها بالزمالك. كانت تجلس بكل كبرياء تحتسي قهوتها. وضع ياسين الملفات أمامها وقال بصوت كالرعد:
- "حبستِ ولادي في ملجأ وهما أحياء؟ بلغتيني إنهم ماتوا عشان تكسريني وتورثي فيا وأنا حي؟"
شهيرة، ببرود شديد، لم تنكر تماماً. قالت:
- "أنا مكنتش هأذيهم. كنت بس مستنية اللحظة اللي تنهار فيها إمبراطوريتك عشان أظهر أنا بدور المنقذ اللي لقاهم وأرجعهم لك بكلمتي وشروطي. أنت اللي اخترت نيرمين وفضلتها عليا، كان لازم تعرف إن خسارتي تمنها غالي."
لم يرحم ياسين أحداً. بمكالمة واحدة، كانت الشرطة تحاصر الجميع. تم القبض على فريد زهران، وتم التحقيق مع إدارة المستشفى والموظفين المرتشين. شهيرة هانم وجدت نفسها خلف القضبان بتهمة خطف قاصرين وتزوير أوراق رسمية، لتخسر في ليلة واحدة كل الجاه والسلطة التي عاشت من أجلها وخسرت حضانة ابنتها للابد …..
أما اللحظة الأصعب، فكانت عودة "آدم وزياد" للبيت. لم تكن العودة بالورود، بل بالصبر. كانا يرتجفان من أي صوت عالٍ، ولا يأكلان إلا إذا كان "نادر" الصبي الفقير موجوداً معهما.
ياسين، الذي كان يظن أن المال يشتري كل شيء، أدرك أن ابنه "نادر" (الذي تبناه لاحقاً وأصبح فرداً من العائلة) فعل ما لم تفعله الملايين. اشترى لياسين حياته بقطعة خبز ويقين صادق.
قام ياسين بهدم ذلك الملجأ المتهالك وبنى مكانه "مؤسسة الشافعي لرعاية الأطفال"، وجعل شعارها: "الحقيقة لا تُدفن". ولم يعد يزور
تلك المقبرة أبداً، لأنه تعلم أن القبور للصامتين، أما الحب فهو الذي يعيد الأموات إلى الحياة …..