الكل شافوه مجرد عامل نظافة شايل ممسحة وبيجري ورا لقمة عيشه

لمحة نيوز

الكل شافوه مجرد عامل نظافة شايل ممسحة وبيجري ورا لقمة عيشه في نوبتجية ليلية مملة.. بس اللي محدش عرفه إن الراجل اللي لابس العفريتة المقطوعة ده، هو الوحيد في المبنى اللي قدر ينقذ شركة بمليارات من كارثة، في الوقت اللي خابت فيه عقول مهندسين بشهادات من بره وجوه!
في الدور ال 27 من برج إداري فخم بيطل على نيل القاهرة، مكنش حد بيلتفت ل ياسين. راجل في أواخر التلاتينات، وشه محفور عليه تعب السنين، لابس يونيفورم أزرق باهت، وماشي بمساحة المية ينضف طرقة ورا تانية وهو بيسمع في سره صوت ضحكة بنته الصغيرة ليلى.
في الليلة دي، المبنى كان هادي زي المقابر، إلا من صوت مراوح غرفة السيرفرات اللي كانت بتصرخ ب أنين غريب. السيستم اللي الشركة صرفت عليه ملايين، والمسمى ب سيستم صقر، كان بيحضر بقاله 3 أيام. طقم مهندسين كامل بقمصانهم المكوية وساعاتهم الغالية فشلوا يلاقوا الثغرة، وروحوا بيوتهم وهما بيقولوا للمديرة السيستم محتاج يتفور ويتبني من جديد.
ياسين وقف قدام باب الغرفة المورب. ريحة المنظفات في إيده اختلطت بريحة الأوزون والكهرباء. عينيه وقعت على شاشات المراقبة اللي بتنور أحمر زي جرح بينزف. ياسين مكنش مجرد عامل.. ياسين كان خريج هندسة عين شمس بتقدير امتياز، والمهندس اللي بنى نص محطات التحكم في المنطقة الصناعية بأكتوبر، قبل ما لعبة قذرة من مدير غيور في شركته القديمة تلفق له تهمة إهمال مهني دمرت سمعته وقفلت في وشه كل الأبواب.
سند الممسحة على الحيطة، ودخل.
قعد قدام الشاشة، صوابعه اللي متعودة على شيل الجرادل بدأت تتحرك بخفة على لوحة المفاتيح. ملمس الزراير رجع له روحه. هو مش بيصلح كود،

هو بيسمع نبض المكن. في 10 دقايق، اكتشف إن المشكلة مش في الهاردوير زي ما العباقرة قالوا، دي كانت مجرد خناقة بين كودين Conflict بيحاولوا يشتغلوا في نفس اللحظة.
بمنتهى الهدوء، كتب سطرين كود.. سطرين بس، عملوا هدنة بين العمليتين. فجأة، اللون الأحمر اختفى، والمراوح هديت، والسيستم اتنفس. ياسين قام، مسح عرق جبهته، مسك ممسحته، وخرج يكمل تنظيف الحمامات وكأن شيئاً لم يكن.
الإهانة قبل الحادثة بشهر
كان ياسين واقف قدام مكتب ال HR، لابس قميص مكوي بعناية رغم قدمه، وفي إيده ملف دوسيه بلاستيك فيه شهاداته. دخل لمدير التوظيف، شاب في العشرينات لابس بدلة غالية وبيقّلب في موبايله بملل.
ياسين بصوت واثق وهادي صباح الخير، أنا شفت إعلان عن وظيفة مهندس نظم أول، وده ال CV بتاعي.
ال HR باسمه مازن بص لياسين من فوق لتحت، شاف جزمة قديمة ممسوحة، وساعة رخيصة. فتح الملف بصباعين بس، وبمجرد ما شاف خريج هندسة عين شمس دفعة قديمة وفجوة في العمل فترة السجن الظالمة، قفل الملف ورماه على المكتب بسخرية.
مازن بضحكة صفراء هندسة إيه يا أستاذ؟ إنت مش شايف شكلك؟ إحنا بنجيب خريجين ال AUC وال GUC، ناس لغتها نضيفة وشكلها واجهة. وبعدين إيه السنين الفاضية دي؟ كنت بتبيع خضار؟
ياسين حاول يتكلم يا فندم الخبرة اللي عندي..
قاطعه مازن وهو بيشاور على عامل نظافة بيعدي من قدام المكتب وفر مجهودك. إحنا فعلاً محتاجين عمال نظافة في الوردية الليلية، لو حابب، دي الوظيفة الوحيدة اللي تليق بشكلك ده.. يا بشمهندس!
الشركة كانت في حالة طوارئ. سيستم صقر اللي شايل بيانات بنوك عالمية كان بيتحلل. كاميليا، صاحبة الشركة، كانت واقفة
ورا المهندسين وهما بيعرقوا قدام الشاشات.
كبير المهندسين بيأس يا فندم، الفيروس ده مش معروف، ده بياكل الداتا


حرفياً، لازم نفصل السيرفرات ونخسر بيانات ال 48 ساعة الأخيرة.
كاميليا بغضب دي خسارة بمليارات! مفيش حل تاني؟
الكل سكت. انصرفوا وهما بيجروا أذيال الخيبة، وسابوا الغرفة تحت الملاحظة.
في الظلمة، دخل ياسين بممسحته. بص للشاشات اللي بتنور بلون أحمر دموي. ركن الممسحة، وطلع فلاشة قديمة من جيبه.
ياسين همس لنفسه مش هسمح لشغلي وتعب سنيني يضيع عشان شوية عيال مش فاهمة يعني إيه Base Code.
بدأ يكتب أوامر بلغة C معقدة جداً، أصابعه كانت بتطير على الكيبورد كأنها بتعزف سيمفونية. اكتشف إن الفيروس مش خارجي، ده خطأ منطقي في الكود الأساسي للمهندسين المترفهين. في وسط الشغل، سمع صوت الباب بيتفتح، كانت كاميليا رجعت عشان تاخد مفاتيحها.
ياسين اتجمد مكانه. كاميليا بصت للشاشة وبصت لياسين اللي لابس لبس النظافة إنت بتعمل إيه؟
ياسين بهدوء مرعب بنقذ سمعتك يا بشمهندسة. بصي على الشاشة.
في لحظة، اتحول اللون الأحمر لأخضر، وشريط التحميل وصل ل 100. السيستم رجع يا فندم.. من غير ما نخسر بايت واحد.
كاميليا قعدت مع ياسين و سألته عن تاريخه، حكى عن فخ شركته القديمة وعن مراته اللي ماتت وسابته بيصارع الدنيا عشان بنته، وعن العفريتة اللي لبسها عشان يستر بيته.
تاني يوم، الساعة 10 الصبح. قاعة الاجتماعات الكبرى كانت مليانة. المهندسين، ومدير الأمن، ومازن بتاع ال HR.
كاميليا دخلت، ووراها ياسين.. بس المرة دي لابس بدلة سوداء شيك جداً، وحالق دقنه، وعينيه فيها لمعة ذكاء تخوف.
مازن بتاع ال HR أول ما شاف ياسين،
ضحك بصوت عالي إنت إيه اللي دخلك هنا يا ابني؟ انزل نظف الحمامات اللي تحت، إنت اتجننت؟
كاميليا خبطت بإيدها على التربيزة بقوة خلت الكل يتنفض اخرس يا مازن! اللي إنت بتغلط فيه ده، هو اللي أنقذ رقبتك ورقبتنا كلنا من السجن والخسارة بالليل.
بصت للمهندسين وقالت ده البشمهندس ياسين، مديركم التقني الجديد CTO. وأول قرار ليه هيكون مراجعة ملفات كل المهندسين اللي فشلوا، وتطهير الشركة من أي حد بيقيم الناس ب لبسهم مش ب عقولهم.
ياسين بص لمازن اللي كان وشه جاب ألوان وبدأ يترعش، وقال له ببرود فاكر لما قلت لي إن دي الوظيفة الوحيدة اللي تليق بيا؟
طلع ياسين ملف التوظيف بتاعه اللي مازن رماه زمان، ورماه قدامه إنت رفدتني قبل ما تعينني بسبب شكلي.. دلوقتي أنا اتعينت بسبب مجهود و كفائتى مش شكلى ولا مظهرى
خرج مازن مطأطأ الرأس تحت نظرات الاحتقار من الكل. وياسين وقف قدام الشاشة الكبيرة، مسك الماركر وبدأ يرسم مستقبل جديد للشركة.
كاميليا مكنتش بس مديرة ناجحة، كانت ست بتفهم في الأصول. في اللحظة اللى قطعت عقد شركة النظافة بالنسبة لياسين، وطلعت عقد جديد كبير مهندسي تطوير النظم 
عرفت انها انقذت نفسها و شركتها من اللى جاى 
بعد شهور، السيستم اللي ياسين صلحه بقى هو الأقوى في السوق. وفي يوم، بنته ليلى راحت تزوره المكتب. شافت صورته متعلقة ك موظف المثالي.
ليلى سألته بابا، هو إنت لسه بتنظف المكاتب؟
ياسين شالها وضحك من قلبه وقال لأ يا حبيبتي.. أنا دلوقتي بنظف العقول و ببني مستقبلنا.
ياسين محرقش العفريتة الزرقاء، شالها في درج مكتبه.. عشان كل ما يحس بالغرور، يفتكر إن المسّاحة هي اللي وصلته
للقمة، وإن الحق مبيضيعش مهما طال السكوت.

تم نسخ الرابط