كانوا تلات نجوم من فضة مربوطين في رقاب عيال حافية، ومحدش كان يعرف إن النجوم دي هي اللي هتنور عتمة (الست صابرة)

لمحة نيوز

ولاد الحلال.. ونجوم الست صابرة
كانوا تلات نجوم من فضة مربوطين في رقبة عيال حافية، ومحدش كان يعرف إن النجوم دي هي اللي هتنور عتمة الست صابرة بعد ما الدنيا كلها ضلمت في وشها.. بس الحكاية بدأت بصحن فول وشوية حنية.
البخار كان طالع من قدرة الفول وحلة النابت الكبيرة، بيختلط بريحة العيش البلدي الطالع من الفرن اللي في أول الحارة. الست صابرة كانت واقفة ورا عربيتها الخشب المتواضعة في زاوية من زوايا حي السيدة زينب. عربية قديمة اه، بس بتلمع من النظافة، وعليها براويز صغيرة مكتوب عليها الرزق يحب الخفية.
صابرة كان عندها 60 سنة، وشها مرسوم عليه خريطة تعب، وإيديها خشنة من نار العربية ومية الغسيل، بس عينيها كان فيها لُمعة رضا غريبة. اليوم ده كان رزقه قليل، الدنيا حر والناس مستعجلة، ومحدش وقف ياكل كتير. صابرة بصت للسما وقالت الحمد لله.. اللي يجيبه ربنا كويس.
وهي بتلملم حاجتها، شافتهم. تلات عيال، نسخة واحدة. 
سنهم ميعديش التسع سنين، بس ملامحهم شايلة همّ رجالة في الأربعين. هدومهم مقطعة ومتربة، وماشيين حافيين، وماسكين في إيد بعض كأنهم خايفين يضيعوا في زحمة القاهرة.
وقفوا على بُعد خطوتين من العربية، عيونهم مثبتة على رغيف عيش كان مركون على جنب. واحد منهم، كان باين إنه البكري بتاعهم، قرب خطوة وقال بصوت واطي ومكسور
يا ستى.. هو الأكل اللي فاضل ده هترميه؟
صابرة قلبها اتنفض. سابت اللي في إيدها وقالت بحنية
أرميه يا ضنايا؟ ده رزق ربنا. تعالوا يا حبايبي، تعالوا في حضني.


دخلوا قلبها من اول ما شافتهم
قعدتهم على كراسي بلاستيك مكسرة، وغرفت لكل واحد فيهم سلطانية فول سخنة وعليها عصرة لمون، ومعاها عيش محمص وفول بالزيت الحار. العيال كلوا بلهفة تخلي الحجر ينطق، وصابرة واقفة تتفرج عليهم ودموعها محبوسة.
اسمكم إيه يا ولاد؟ وفين أهلكم؟
الولد اللي في النص، وكان اسمه ياسين، رد ولقمته في بقه
أنا ياسين، وده يحيى وده يونس. إحنا ملناش حد يا أمي.. بننام في الجنينة اللي ورا المحطة، وبنخاف نروح الملجأ عشان ميبعدوناش عن بعض.
وهي بتناوله المنديل، شافت حاجة غريبة. التلاتة لابسين في رقبتهم سلسلة فضة مصدية، وفيها دلاية على شكل تلات نجوم جنب بعض.
صابرة اتصدمت. افتكرت إشاعة كانت مالية الجرايد من سنين عن تلات توائم اتخطفوا من عيلة غنية جداً في المنصورة، وكان شعار العيلة دي النجوم التلاتة و افتكرت عشان هى كمان كانت بتدور على ابنها اللى تاه منها من سنين ..
قبل ما تسألهم، ظهر المعلم سماحة. راجل فتوة من بتوع اليومين دول، بياخد إتاوات من الغلابة عشان يسيبهم يفرشوا.
إيه يا ست صابرة؟ قلبتيها تكية؟ العيال الشوارعية دي تقطع رزقك وتجيب لنا الحكومة.
صابرة وقفت بصلابة
دول ضيوفي يا معلم، واللقمة اللي بياكلوها من رزقي مش من رزقك. ابعد عننا الساعة دي.
سماحة مشي وهو بيبرطم ويهدد ماشي يا صابرة.. هخلي البلدية تكنس العربية دي باللي فيها.
صابرة مقدرتش تسيبهم يمشوا قلبها وجعها عليهم. 
خدتهم بيتها، أوضتين فوق السطوح، بس كان فيهم دفا مش موجود في قصور. نيمتهم
وغطتهم، وياسين سألها قبل ما ينام إنتي ليه بتعملي معانا كده يا خالة صابرة؟
ردت وهي بتمسح على شعره عشان ابني حسن تاه مني وهو صغير يا ابني.. ونفسي لما يحتاج لقمة، يلاقي حد يحن عليه زي ما حنيت عليكم.
بعدها بكام يوم، المعلم سماحة نفذ تهديده. جاب الشرطة والبلدية، وقال إن الست دي خاطفة عيال. صابرة صرخت وحاولت تفهمهم إنها بتأويهم، بس القانون مبيعرفش العواطف. العيال اتاخدوا منها بقسوة، ويونس كان بيصرخ مش هنسيبك يا خالة صابرة.. والله ما هننساكي!
مرت السنين.. 15 سنة كاملة. صابرة كبرت، العربية بقت قديمة جداً ومتهالكة، ونظرها ضعف. المعلم سماحة بقى حوت في المنطقة، وقرر إنه يطرد صابرة من مكانها عشان يبني مطعم صغير.
يوم الجمعة، والمعلم سماحة واقف برجالته بيكسروا تندة عربية صابرة وهي بتعيط في الأرض يا ابني سيبني أترزق، ده مالي ومال عيالي اللي ضاعوا.
فجأة.. الحارة كلها سكتت.
صوت مواتير جبارة.. تلات عربيات لامبورجيني سوداء، فامييه، وقفوا طابور ورا بعض. نزل منهم تلات شباب، طول بعرض، ببدل غالية جداً، وساعات بتلمع تحت الشمس.
الناس كانت مبهورة، وسماحة جرى عليهم يلمع أونطته أهلاً يا باشوات.. الحارة نورت.. نخدمكم بإيه؟
واحد منهم، كان يحيى، بصله باحتقار وزقه من طريقه. التلاتة راحوا ل صابرة اللي كانت قاعدة على الرصيف.
ياسين نزل لمستواها، وباس إيدها وهو بيعيط
الفول لسه سخن يا خالة صابرة؟ ولا كبرنا وبقينا منستاهلش؟
صابرة رفعت راسها، مش مصدقة ياسين؟ يحيى؟ يونس؟
إحنا يا ست
الكل. ولادك اللي مرجعوش غير لما بقوا ملوك، عشان محدش يقدر ياخدهم منك تاني.
الشباب دول طلعوا فعلاً ولاد العيلة الغنية، وبعد ما دخلوا الملجأ، جدهم وصلهم عن طريق السلاسل والنجوم التلاتة، وورثوا ثروة مهولة، بس طول السنين دي كانوا بيدوروا على صابرة اللي اتنقلت من مكان لمكان بسبب مضايقات سماحة.
يونس طلع ملفات من شنطته ورمى ورق في وش المعلم سماحة
المكان ده، والبيت اللي وراه، والمحلات دي كلها.. إحنا اشتريناها النهاردة. وإنت يا معلم، كل الإيصالات والأمانات اللي كنت بتمضي الغلابة عليها بقت ملكنا.. والقضية اللي هتترفع عليك دلوقت بتهمة الابتزاز هتربيك في السجن.
الشرطة جت وخدت سماحة كلبش قدام الحارة كلها، و كل الناس المظلومة فضلت تصقف وتهلل لأنهم اتخلصوا منه ..
ياسين مسك إيد صابرة وقال لها يا أمي، إحنا لقينا جدي، بس هو مات وساب لنا الدنيا كلها.. بس هو قبل ما يموت، قال لنا إن اللي أكلنا وإحنا جعانين هو اللي يستاهل يكون أهلنا.
والأجمل من كده، إنهم عرفوا يوصلوا ل حسن، ابن صابرة الحقيقي، اللي كان شغال في الغربة وتعبان، وجابوه لحد عندها بمفاجأة تخلي القلب يقف من الفرحة.
صابرة مسبتش الحارة، والشباب بنوا لها مطعم خيري فخم جداً في نفس مكان العربية، وسموه مطعم النجوم الأربعة.. تلات نجوم للشباب، والنجمة الكبيرة كانت صابرة.
صابرة فى اخر عمرها نالت لصبرها و عاشت الباقى من عمرها فى سعادة و هنا فى وسط ولادها الاربعه اللى عمرها ما نسبتهم..
الخلاصة اللقمة اللي بتطلع لله،
بترجع لك مية لقمة.. بس في الوقت الصح.

تم نسخ الرابط