"رمى عفشها في الشارع وسرق ورثها.. بس اللي 'عتمان باشا' ميعرفوش، إن الغريب اللي آواها، هو اللي هيخليه يركع عشان يطلب السماح!"
"رمى عفشها في الشارع وسرق ورثها.. بس اللي 'عتمان باشا' ميعرفوش، إن الغريب اللي آواها، هو اللي هيخليه يركع عشان يطلب السماح!"
في ليلة شتوية بتمطر "طوب"، كان صوت صريخ "زينب" مسموع لآخر العزبة. عتمان باشا، بجبروته وقسوته، كان واقف قدام باب بيتها الطين وهو بيزقها لبرة:
— "اطلعي برة يا فاجرة! البيت ده ملكي، وأبوكي مات مديون بمليم الأخضر واليابس. مش كفاية واكلين شاربين من خيري سنين؟"
زينب كانت ماسكة في طرحتها وبتبكي بمرارة:
— "يا باشا حرام عليك.. الدنيا ليل ومطر، أروح فين؟ ده بيت أبويا وجدي، والديون دي إحنا سددناها شقا وتعب في أرضك!"
عتمان مش بس طردها، ده أمر رجاله يرموا "عفشها" البسيط في الطين وسط الشارع. وقف يتفرج عليها وهي بتلملم هدومها المبلولة بكسرة نفس، والناس في العزبة خايفين يفتحوا بابهم ليها عشان "بطش" الباشا.
وفجأة، نورت كشافات عربية "سليم بيه" الديزل القديمة وهي داخلة العزبة. وقف سليم ونزل، وبص للمشهد بوجع: "في إيه يا عتمان؟ ده المطر ميرحمش، بتطرد بنت غلبانة في ليل زي ده؟"
عتمان رد ببرود وهو بيولع سيجاره: "دي حقوقي يا سليم بيه.. اللي ميسددش يغور، والقانون معايا."
سليم بص لزينب اللي كانت بترتعش من البرد، وطلع من جيبه رزمة فلوس كبيرة ورمى منها على التربيزة اللي كانت مرمية في الطين:
— "خد يا عتمان.. دي الفلوس اللي بتتحجج بيها، وزيادة كمان تمن إيجار البيت لسنين
عتمان خد الفلوس بضحكة صفراء وهمس لسليم: "خدتها يا سليم.. بس بكرة هتعرف إنك خدت 'قنبلة' في بيتك، والدم اللي في عروقها هيحرقك قبل ما يحرقني ……
************************
مرت الشهور في سرايا سليم بيه، وزينب بقت هي "نور البيت". كانت بتساعد الست الكبيرة "والدة سليم" وبتهتم بكل تفصيلة، ملامحها نورت وبان أصلها الطيب. سليم كان بيراقبها من بعيد، وكان بيشوف فيها "ست بيت" بجد، مش مجرد ضيفة.
لكن عتمان باشا مسبهاش في حالها. اقتحم السرايا ومعاه "المأمور" وخفر، وصرخ:
— "يا سليم بيه، البنت دي حرامية! قبل ما تمشي من العزبة سرقت أوراق وعقود ملكية من مكتب والدي الله يرحمه، وأنا جاي أفتش السرايا وأخدها بالسلاسل!"
السر اللي خبّاه "إسماعيل باشا" ٢٠ سنة
زمان، من حوالي ٢٢ سنة، كانت "هنيّة" (أم زينب) هي أجمل وأشطر بنت في عزبة العقرب. ملامحها كانت هادية، وعيونها فيها عزة نفس خلت "إسماعيل باشا" (أبو عتمان) يقع في حبها من أول نظرة وهي بتجمع القطن في الغيط.
الباشا مكنش راجل وحش زي ابنه عتمان، لكنه كان بيخاف من كلام الناس ومن "الست هانم" مراته اللي من عيلة كبيرة في البندر. مقدرش يقاوم حبه لهنيّة، وفي ليلة قمرية، طلبها للجواز من أبوها (جد زينب) في السر.
مراسم الجواز "على ضي القنديل":
الجواز
الحمل والرحيل المفاجئ:
لما هنيّة حملت في "زينب"، الباشا خاف من الفضيحة ومن غيرة مراته وابنه عتمان اللي كان وقتها شاب بيفهم في "الغل" أكتر من الأصول. بنى لهنيّة بيت صغير بعيد شوية، وسجّل زينب في الدفاتر باسم "زينب إسماعيل"، لكن الناس افتكروا إنه تشابه أسماء أو مجرد عطف من الباشا على خدامة قديمة.
ليلة كشف السر:
قبل وفاة إسماعيل باشا بشهر واحد، نادى ابنه "عتمان" وهو على فراش الموت، وقاله بصوت مرعش:
"يا عتمان.. في رقبتي أمانة.. زينب بنت هنيّة أختك من صلبي، والوصية دي بتثبت حقها في نص العزبة.. اوعى تظلمها يا ابني عشان ربنا يبارك لك في رزقك."
فى اللحظه دى سمعته مراته و خبت السر جوا قلبها وانتظرت تشوف رد فعل عتمان بعد وفاة ابوه …….
عتمان بدل ما ينفذ وصية أبوه، أول ما الباشا طلع روحه، دخل المكتب وسرق الوصية وحلف يمسح أي أثر للجواز ده. بدأ يضيق الخناق على زينب وأبوها (اللي كان في الحقيقة جوز أمها اللي رباها بعد موت هنيّة)، واخترع حكاية "الديون" عشان يذلّها ويخليها خدامة تحت رجله، لحد ما جت الليلة اللي طردها فيها في المطر عشان يخلص من "السر"
وبعد سنين السر انكشف بسبب ظلمهم:
سليم وقف زي الجبل قدام باب السرايا، وطلع "ظرف" جلد قديم:
— "الأوراق دي يا عتمان؟ اللي بتثبت إن أبوك 'إسماعيل باشا' كان متجوز أم زينب شرعي؟ اللي بتثبت إن زينب هي الوريثة الحقيقية لنص عزبة العقرب اللي أنت عايش فيها؟"
الكل اتصدم، وعتمان وشه بقى زي "الليمونة" المفعوصة من الرعب.
سليم كمل بصوت واثق: "أبوك كتب الوصية دي عشان يريح ضميره قبل ما يموت، وأنت كنت عايز تدفنها معاها لما كرشتها في المطر.. بس الحق مبيغرقش يا عتمان."
وفجأة، طلعت "هانم" زوجة عتمان، وقالت بشهادة حق هزت القعدة:
— "سليم بيه معاه حق يا عتمان. أنا اللي لقيت الوصية في خزنتك السرية، وأنا اللي أدتها لزينب ليلة ما طردتها، عشان كنت عارفة إنك ناوي تقتلها لو الورق ده فضل في إيدك."
عتمان لقى نفسه في نص الساحة وحيد، المأمور بص له بقرف وسابه ومشي، وخفر العزبة بدأوا يتهامسوا عليه. انسحب عتمان بجريرة خيبته، وهو عارف إن عزه انتهى.
سليم لف لزينب، اللي كانت واقفة بتبكي من الفرحة والذهول، مسك إيدها بحنان قدام الكل وقال لها:
— "يا زينب.. دلوقت أنتِ بقيتي صاحبة ملك وعز، ومحدش يقدر يلمس شعرة منك. بس أنا مش عايزك تمشي من هنا.. أنا عايزك تفضلي في البيت ده، مش ضيفة، ولا مديونة.. أنا بطلب إيدك النهاردة عشان تكوني (ست بيتى) وشريكة حياتي على سنة الله ورسوله."
زينب بصت له بعيون