لو شوفت صورتك اللي بتتباع بآلاف الدولارات مرمية على الرصيف بتمن 'ساندوتش'، هتعمل إيه؟
لو شوفت صورتك اللي بتتباع بآلاف الدولارات مرمية على الرصيف بتمن ساندوتش، هتعمل إيه؟ فنان مصر الأول لقى تاريخه بيتباع خردة في سوق الجمعة، بس الصدمة مكنتش في تمن اللوحة.. الصدمة كانت في هوية الراجل اللي بيبيعها، والسر اللي مخبيه من 20 سنة في ليلة شتا سودة غيرت مصيرهم هما الاتنين! الحكاية مش مجرد لوحة.. دي حكاية دين مبيتسدش بفلوس، سداده كان جبر خاطر هز كيان الشارع كله.
الحكاية ريشة الوفاء
مخبى وشه بنضارة سوداء وماشي يهرب من شهرته، وفجأة لقى تاريخه مرمى على الرصيف في سوق الجمعة! بوستر عليه إمضاء إيده من 20 سنة، بيتباع بتمن ساندوتش.. الحكاية مش حكاية بوستر قديم، دي حكاية دين قديم في رقبة فنان كبير، سداده كان دموع وصدمة خلت الشارع كله يقف على رجل!
فى عز الضهر، والشمس حامية بتلسع الشوارع في منطقة السيدة زينب، كان فنان مصر الأول في الرسم والبورتريه
ياسين، ماشي متخفي.
ياسين ده صوره في كل الجرائد، ومعارضه بتتباع فيها اللوحة بآلاف الدولارات، بس هو كان حاسس ب خنقة، فقرر يلبس قميص كاجوال ونضارة شمس قديمة ويمشي وسط الناس الغلابة، يشم ريحة البخور والطعمية اللي بتفكرة بطفولته.
وهو بيعدي من جنب سور قديم، لقى راجل مسن، شعره أبيض زي القطن، ملامحه محفورة من الشقى،
ياسين وقف مكانه، قلبه دق دقة غريبة.. البرواز ده كان فيه بوستر مرسوم عليه صورة ولد صغير بيبكي، وفي ركن البوستر من تحت، شاف إمضاء باللون الأزرق البهتان ياسين 2006.
ياسين قرب والدم بيفور في عروقه، نزل لمستوى الراجل العجوز
عم عبد التواب وسأله بصوت واطي
يا حاج.. البورتريه ده بكام؟ عم عبد التواب رفع عينه اللي غطاها المية البيضاء وقال بصوت واهن
ده ب 200 جنيه يا ابني.. وميغلاش عليك. ده ريحة الغاليين، بس النصيب بقى.
ياسين مسك البوستر بإيده، صوابعه لمست الورق اللي اصفرّ من الزمن، وسأل بفضول
200 جنيه بس؟ ده توقيع الفنان ياسين! أنت عارف ده دلوقتي لو اتباع في مزاد يوصل لكام؟ وليه تبيعه أصلاً وأنت بتقول ريحة الغاليين؟
عم عبد التواب اتنهد تنهيدة شقت صدره وقال
يا ابني.. الجوع كافر، والمرض أكفر. مراتي محتاجة عملية في عينها، وأنا بعت التروسيكل اللي كنت بسترزق منه، ومبقاش فاضل غير البرواز ده..
ده آخر حاجة ليها قيمة في بيتي. قلبي بيتقطع وأنا بطلعه من مكانه من على الحيطة ده غالى عليا اوى ، بس العين بصيرة والإيد قصيرة.
ياسين قعد على الرصيف جنبه، ونسي إنه نجم، وقاله احكي لي يا
الراجل العجوز عينه لمعت بذكرى قديمة وقال
من 20 سنة، كنت شغال سواق تاكسي في القاهرة. في ليلة شتا، الدنيا كانت بتمطر طوب والبرق بيشق السما. ركب معايا شاب صغير وشكله غلبان جداً، كان شايل شنطة كبيرة فيها لوحات وألوان، وكان بيعيط بحرقة.
سألته مالك يا ابني؟، قالي يا عمي أنا فنان، رحت لكل المعارض ورفضوا شغلي، وقالوا لي مالكش مستقبل، وأنا دلوقتي مش معايا مليم أروح بيه ومش عارف هنام فين.
أكمل عم عبد التواب والدموع في عينه
في نص الطريق، التاكسي عطل بيا في منطقة مقطوعة. الشاب ده نزل معايا في الطين والمطر، وفضل يزق معايا التاكسي أكتر من كيلو لحد ما وصلنا لورشة. لما جيه يحاسبنى، لقيت مش معاه فعلاً ولا مليم، قولتله يا ابني اعتبرني أبوك، وخد ال 50 جنيه دي كمان اتعشى بيها، وربنا هيبعتلك رزقك إن شاء الله.
الشاب ده من كتر فرحته، طلع البوستر ده من شنطته، ومضى عليه وقالي يا عم عبد التواب، أنا هبقى أشهر رسام في مصر، والورقة دي هي اللي هتغنيك في يوم من الأيام، بالله عليك شيلها للزمن.. وأهو الزمن جه يا ابني، وأنا ببيع جدعنتي عشان أداوي مراتي.
ياسين مكنش قادر يتنفس، الدموع غطت عينه ونزلت من تحت النضارة. تذكر الليلة دي بالحرف، تذكر
ياسين شال النضارة تماماً، ومسك إيد عم عبد التواب الخشنة وباسها قدام الناس كلها وقال بصوت عالي
أنا الشاب ده يا عم عبد التواب! أنا الرسام اللي سقيته مية وواسيته في ليلة المطر! أنا ياسين يا حاج!
الراجل العجوز اتصدم، فضل يلمس وش ياسين كأنه بيقرأ ملامحه، ومش مصدق إن المعجزة حصلت بعد 20 سنة.
ياسين طلع رزمة فلوس من جيبه كانت مخصصة لمشروع، واداهاله وقاله دي تمن الورقة اللي شلتها 20 سنة.. دي حق الإيجار بتاعها بس!
اتصل فوراً بأكبر دكتور عيون، وحجز لمرات عم عبد التواب العملية في أحسن مستشفى على حسابه الخاص.
أخد البوستر القديم، وباسه، ورفض ياخده.. قاله البوستر ده هيفضل معاك، بس هجددلك البرواز بتاعه، وهعملك معاش شهري محترم يخليك تقعد ملك في بيتك، لأن ريشتي دي مكنتش هترسم لو أنت مكنتش طبطبت عليا في ليلة المطر.
الخاتمة
الشارع كله كان بيصقف، وياسين واقف بيعيط في حضن عم عبد التواب. الحكاية انتشرت زي النار في الهشيم، وياسين رسم لوحة جديدة لعم عبد التواب وهو بيزق التاكسي في المطر، وسماها دين الرقبة، ورفض يبيعها بأي تمن، وفضل يزور عم عبد التواب كل أسبوع عشان يفتكر دايماً