اليوم اللي حطيت فيه جوزي تحت التراب، كنت فاكرة إني بدفن قلبي معاه..

لمحة نيوز

اليوم اللي حطيت فيه جوزي تحت التراب، كنت فاكرة إني بدفن قلبي معاه.. مكنتش أعرف إني بدفن ضعفي، وبصحي سر كان مدفون من زمان ….

 

عمرى ما هنسى ريحة الصبح ده.. في روايح كده بتعلم في الدماغ ومبتطلعش أبداً، بتفضل عايشة في النفوخ مهما مرت السنين. كانت ريحة الأرض المبلولة بمية المطر.. وزهر القطيفة اللي بدأ يدبل في أكاليل الجنازة.. وريحة القهوة السادة المرة اللي اتغلت ميت مرة وعملاها جارتي "ست هانم".

دفنا "صلاح" في صباح يوم سبت حزين، في قرية صغيرة متطرفة في قنا، بلد مبيسمعش فيها غير دبة الرجل على الأرض وصوت أجراس الكنيسة وأدان الجامع اللي بيدقوا بنفس النغمة في الفرح والحزن. وقفت بجانب القبر المفتوح، لابسة جلابية سودة استعرتها من جارتي "أم سعد".. عشان هدومي مكنتش مقاسي بعد الحمل، ومكنش معايا ولا مليم أشتري حاجة جديدة.. 

كنت شايلة ابني الصغير "مصطفى" بين دراعاتي، عمره ست شهور بس، ملفوف في بطانية دايبة.. وبإيدي التانية ماسكة إيد "زينب"، بنتي اللي عندها أربع سنين، اللي كانت متنحة في النعش وكأنها مستنية أبوها يقوم منه ويقولها "يا زينب يا حبيبة أبوكي".

وفجأة سألتني بصوت مرعوب وبتشاور بصباعها الصغير:

— "يا ماما.. هو بابا هيرجع لما يغطوا الحفرة دي بالتراب؟"

حاجة جوايا انكسرت حتت. لم أستطع الرد ودموعي جفت.. مش لأني مش عايزة أبكي، بل لأن الخوف سبق الدموع وسرقها من عيني.

مات صلاح فجأة. قالوا إنه حادث شغل في البنا.. من غير أي تفاصيل. في البلد هنا، الموت بيتقبل بصمت.. خاصة لما يكون الصمت ده

في مصلحة ناس كبار. وفجأة لقيت نفسي وحدي.. مع طفلين كوم لحم.. 

كانوا إخوة صلاح هناك برضه.. "عتمان" و"رفاعي". رجال قساة، قلوبهم حجر.. عمرهم ما حبوني ولا بيطيقوا يشوفوا وشي. كنت بالنسبة لهم "البنت الفقيرة" اللي ملهاش ضهر ولا عيلة كبيرة تنسدد عليها. 

كان صلاح دايماً واقف بيني وبينهم، زي السد المنيع.. لكن دلوقتي.. مابقاش موجود، والسد اتهد.

وبعد الجنازه اتصدمت منهم اكتر و اكتر طردونى انا وعياله من البيت و قالولى البيت مش مكتوب باسم جوزك ده ورث من ابونا و ملكيش مكان فيه.

👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻

لقيت نفسى خدت عيالى و روحنا على العشه القديمه اللى كنت عايشه فيها مع اهلى زمان و الدموع جفت من عيوني من كتر البرد…

الفصل الثاني: البداية من تحت الصفر

في أول ليلة.. نمنا على الأرض الطين. كانت زينب بترتعش من البرد.. ومصطفى بيبكي من الجوع وصدره بيزيق. كنت أحتضنهم بقوة.. أحاول أدفيهم دفء وحنان مكنتش أملكه لروحي المكسورة. نظرت للسما من خلال سقف المكسور.. وسألت نفسي بكسرة: هل هذه هي النهاية يا رب؟ هل هتموت ولادي قدام عيني وأنا مش قادرة أعملهم حاجة؟

في الصباح.. الخوف اللي كان في عيني اتحول لنار قايدة جوايا. بصيت لولادي وقلت: "وحياتكم عندي ما هخلي حد يكسر عيني تاني." 

مسحت دموعي بإيدي المدبوغة من الشغل زمان، وطلعت بره الأوضة. بدأت أجمع خشب وبوص فاضل من العشة المحروقة، ورقعت السقف المكسور بنفسي، ونضفت الأرض التراب، وفرشت فيها حصير قديم جابتهولي جارتي "أم سعد" كتر خيرها.

بدأت أدور على شغل في البيوت.. أغسل غسيل، أنضف، أخبز.. أي حاجة عشان أجيب لقمة عيش لولادي. كنت بشتغل ليل نهار، وضهري كان هيتكسر، وإيديا كانت بتتجمد من المية الساقعة والصابون، بس كنت بضحك لما بشوف زينب ومصطفى بياكلوا رغيف العيش وهما مبسوطين.

في يوم وأنا بشتغل في بيت "الحاج رأفت"، الراجل الطيب صاحب الأرض اللي جنبنا، شافني وأنا تعبانة ومجهدة، وسألني عن حكايتي. حكيتله كل حاجة.. الظلم اللي شوفته من إخوة صلاح، والطرده من البيت، والشغل في البيوت عشان أرعي ولادي.

الحاج رأفت، بقلبه الطيب ورزانته، قرر يساعدني. مكنش بيديلي فلوس أو شفقة، لا، كان بيديلي فرصة. اقترح عليا إننا نزرع قطعة أرض صغيرة ببطاطس وطماطم، ونقسم المحصول سوا. وبدأ يعلمني فنون الزراعة، وكيف أراعي الأرض وأخليها تطرح خير.

وبدأت أشتغل في الأرض بإيدي الضعيفة اللي اتحولت لـ "فأس"، وبدأ الخير يزيد، وبدأت أبيع المحصول في السوق، وبقى معايا فلوس أشتري لولادي هدوم جديدة وكتب للمدرسة، وحتى وفرت شوية فلوس "للزمن".

مرت السنين.. ولادي كبروا وبقو في المدرسة، وأنا بقيت "مريم" تانية، قوية، واثقة في نفسها، ومعايا فلوس كويسة من شغل الأرض. بس جرح الظلم كان لسه محفور في قلبي، وكنت دايماً بسأل نفسي: "ليه عتمان ورفاعي عملوا كده؟ هل صلاح فعلاً مكنش يملك حاجة؟"

وبدأت أدور.. أسأل الجيران القدامى، أدور في سجلات الشهر العقاري والمحاكم، أبحث عن أي ورقة أو وثيقة تثبت حق صلاح في البيت والأرض. كنت بعمل كده في السر، عشان محدش يشك في حاجة،  بمساعدة المحامي

الشاطر اللي عرفته عن طريق الحاج رأفت، "الأستاذ عادل".

وبعد سنين من البحث والتنقيب، لقينا "الخيط": ورقة قديمة ومختومة، تثبت إن والد صلاح الله يرحمه كتب له البيت والأرض باسمه قبل وفاته، وإن عتمان ورفاعي زورا توقيعه على ورقة تنازل بعد موت والدهم!

في يوم واحد.. وبمساعدة الحاج رأفت والمحامى قدمنا الورقة دي للمحكمة، وبدأنا معركة قانونية شرسة ضد عتمان ورفاعي. كانت المواجهة نارية، بس مريم المرة دي مكنتش الست الضعيفة المكسورة الجناح اللي بتستعير جلابيتها عشان تدفن جوزها. كانت ست قوية انجرحت وبتدافع عن أولادها وحقها.

وبعد سنين من المحاكم والشحططة، صدر الحكم العادل والنهائي:

كل شيء ليا ولولادي. البيت.. الأرض.. كل حاجة صلاح سابها لينا بقت حقنا قانونياً وشرعياً. وعتمان ورفاعي؟ خسرو كل شيء، خسرو الأرض والبيت وسمعتهم في البلد، وبقو مكسورين العين قدام كل الناس.

واليوم، بعد 15 سنة من اليوم ده.. تحول المكان اللي كان أوضة طين قديمة لـ "فيلا" جميلة وصغيرة، وبقت "مزرعة الست مريم" من أشهر المزارع في المنطقة.

 أطفالي كبروا أقوياء ومتعلمين، زينب دلوقت دكتورة قد الدنيا، ومصطفى مهندس زراعي بيشرف على المزرعة.

وأنا.. أنا المرأة اللي تعلّمت، بالطريقة الصعبة، إن الكرامة مش حاجة بتورثها من أهلك أو من اسم عيلتك الكبيرة، بل هي حاجة بتنتزعها بإيدك وسنانك ودراعك، وتقف قدام الدنيا كلها عشانها. وإنك لما تصل للحافة وبتفتكر إنك خلاص هتقع .. بتفوق لنفسك بقوة .

 بل تتعلم في اللحظة دي، وبقوة، ازاى تجيب حقك من اللى

ظلموك، وتفرد جناحك على كل اللي حاولوا يكسروك.

 

 

 

تم نسخ الرابط