"في حارتنا، كان اسم جدتي 'لورد' بيتقال بصوت واطي زي التعويذة.. اللي يقول عليها مبروكة، واللي يحلف إنها مخاوية، بس الكل كان بيترعش من نظرة عينها.. وأنا بالذات، قالتلي جملة واحدة قبل جوازي، خلتني مرعوبة
"ماتروحيش معاه يا نورا.. اللي هتمشي في السكة دي مش هترجع منها!"
في عيلتنا، اسم "الست لورد" -جدتي- كان بيترمي في الكلام زي "العمل"؛ الكل بيخاف منه والكل بيعملّه ألف حساب. الجيران في الحارة كانوا بيقولوا عليها "مخاوية"، والستات الكبار كانوا يهمسوا "دي ست مبروكة وبتاعة ربنا". أما أنا، فكنت البنت اللي "قلبها ميت"، كنت بروح عندها كل أسبوع، أشم ريحة بيتها القديم اللي في "الدرب الأحمر".. ريحة بخور مستكة مخلوط بمرارة صبار وعسل نحل جبلي.
جدتي كانت بتهتم بالأعشاب:
- بردقوش عشان اللي باله مشغول.
- مرمرية عشان المغص والوجع.
- وجذور غريبة كدة محدش يعرف سرها غيرها.
"الإيدين مابتكدبش"
أمي "نادية" كانت بتترعش منها. حكت لي إن مرة ست جات لجدتي تعيط وتقولها: "جوزي الغايب هيرجع يا ست لورد؟"
، ردت جدتي ببرود وهي بتنقي عشب: "هيرجع.. بس مش عشانك."
👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻👇🏻
وفعلاً، رجع بعد شهر، طلقها وخد العيال واتجوز واحدة تانية!
أما أبويا "الحاج سيد"،
من يومها ومحدش في البيت بيجيب سيرتها، إلا أنا.. كنت بحبها. وفي يوم، رحت حكيت لها عن "شريف".. المهندس الشيك، اللي كلامه معسول وبياخد العقل.
جدتي بصت في الفراغ وقالتلي جملة فضلت ترن في ودني:
"يا نورا يا بنتي.. الناس بتلبس وشوش في المناسبات والكلام الحلو، بس الحقيقة بتبان في الأفعال لما يفتكروا إن محدش شايفهم. ما تبصيش للي بيقوله.. بصي لإيديه، الإيدين هي اللي بتخبي وهي اللي بتبين المعدن."
مسمعتش كلام جدتى حبيته واتجوزته
اتجوزنا.. وعشت أول سنة في "الجنة". شريف كان مثالي، بيدلعني ويجيب لي هدايا. بس مع بداية السنة التانية، "الخيط بدأ يكرّ".
- بقى يتأخر في المكتب بحجة "الضغط".
- الموبايل بقى "مقدس"، لو لمسته القيامة تقوم.
- بقى عصبي على أتفه الأسباب، وبعدها يجي يتأسف ويقولي "أنا تعبان
في الشغل عشانك".
كنت بكدب نفسي وأقول: "أنا بتهيألي.. شريف بيحبني". بس كلمة جدتي كانت زي السكينة في عقلي: "بصي للي بيعمله.. مش للي بيقوله."
وفي ليلة، رجع الفجر. ريحته ماكنتش ريحة مكاتب ولا ورق.. كانت ريحة "بارفان" حريمي تقيل، من اللي بيوجع المناخير.
سألته بوجع: "كنت فين يا شريف؟"
رد بحدة وهو بيدي ضهره: "قلتلك شغل يا نورا.. ارحميني بقى!"
قبل سفرية كنا مرتبين لها لـ "شرم الشيخ"، رحت أودع جدتي. كانت قاعدة بتهز رأسها بحزن وقالتلي: "ماتروحيش معاه يا نورا.. اللي هتمشي في السكة دي مش هترجع منها."
قلت في بالي "ده مجرد خوف كبار"، بس الشك كان أكل قلبي. قبل السفر بيوم، شريف قالي: "يا حبيبتي روحي أنتي بالباص وأنا هخلص اجتماع طوارئ وأجيلك بالعربية بكرة الصبح".
عملت نفسي موافقة.. بس مارحتش الموقف.
ركبت تاكسي، ورحت ورا العربية بتاعته من بعيد. لقيته وقف قدام عمارة في "التجمع". نزلت وراه وقلبي بيدق زي الطبلة. طلعت الدور الثالث.. وقفت قدام الباب وسمعت ضحكته.. الضحكة اللي كانت
خبطت.. فتح هو، وشه بقى لونه أزرق، ووراه كانت "واحدة" لابسة قميصه اللي أنا كاوياه بإيدي!
بصيت لإيديه.. كانت بتترعش وهي بتحاول تقفل الباب. افتكرت كلمة جدتي: "الأيدي لا تكذب."
قلتله ببرود غريب: "اتجوزتها من إمتى؟"
ماردش.. ضحكت بوجع وقلتله: "عندك حق.. الشغل كان تقيل فعلاً."
رجعت لبيت جدتي "لورد". أول ما شافتني، ما سألتش عن حاجة. قامت وخدتني في حضنها، وأنا انهرت.. بكيت بكاء سنين.
همست في ودني: "أنا ماكنتش بحاول أخوفك.. أنا كنت بحميكي."
قلت لها بشهقة: "ليه ماقولتيش الحقيقة طيب؟"
بصت لي بحنان وقالت:
"لأن في حاجات يا بنتي لازم الواحد يشوفها بنفسه عشان يصدق. لو كنت قولتلك كنتي هتقولي جدتي بتخرب بيتي. أنا قولتلك (مش هترجعي).. لأنك فعلاً مش هترجعي نورا الطيبة اللي كانت بتصدق أي كلام.. أنتي رجعتي ست تانية خالص."
ابتسمت ابتسامة حزينة.. وفهمت ساعتها إن "العرافة" ماكنتش بتقرأ المستقبل، دي كانت بتقرأ "النفوس".
بعدها رفعت عليه قضيه طلاق
واتعلمت من التجربه دى أن شعور اهلنا دائما حقيقى فى اختيار شريك حياتنا….