بقالي ٧ سنين بتغرب في بلاد بره وببعت

لمحة نيوز

"بقالي ٧ سنين بتغرب في بلاد بره وببعت 'شقايا' عشان مراتي تهني أمي وتعيّشها ملكة.. رجعت النهاردة من غير ما أقولهم، ولقيت أمي نايمة في الشارع قدام باب البيت والمطرة معرفه هدومها، والست هانم مراتي قاعدة جوه 

"يا أمي! أنتي إيه اللي منيمك هنا، جنب البوابة وفي المطرة دي؟"

​صوت "ياسين" كان مخنوق، مش مصدق عينيه، والدموع اتحبست في عينه وهو شايف المنظر تحت مطرة الشتا اللي نازلة تنقر على دماغها. الساعة كانت داخلة على ١١ بالليل في منطقة في التجمع، وصوت المية وهي بتخبط في صاج التندة كان عامل زي مزيكا حزينة جاية من بعيد.

"الحاجة زينب" رفعت راسها براحة.. شالها كان مبلول ولازق على قورتها، وإيديها كانت متلجة، وجسمها منكمش فوق "حصيرة" رفيعة مفروشة في الطرقة اللي جنب البوابة الحديد. ومن وراها، جوه الفيلا، كان طالع نور أصفر دافي، وصوت التلفزيون عالي.. وضحك.

​ضحك عالي ورنات كاسات.

​ياسين حس إن فيه خنجر غرز في قلبه. ٧ سنين في دبي.. ٧ سنين شغل ورديتين، صابر على الحر والوحدة والذل عشان يبعت كل مليم في أول كل شهر. كان بيبص لرسالة التحويل ويقول "كله فدا أمي.. عشان تعيش هانم".

​وفي كل مكالمة، "نرمين" مراته كانت بتقوله بصوتها الناعم:

— "متقلقش يا حبيبي، ماما زينب في عينيا، دي منورة البيت وبتاكل معانا أحسن أكل، دي دايماً بتدعي لك وبتقول إنك أحسن ابن في الدنيا".

​ياسين صدقها.. أصل الواحد بيصدق عشان الحقيقة ساعات بتبقى أتقل من إنه يستحملها.

​زق البوابة

براحة، وقعد على ركبه قدام أمه، ومفرقش معاه إن بنطلونه الغالي اللي جاي بيه من السفر اتبل من الطين.

"يا أمي.. ردي عليا، أنتي بتعملي إيه هنا؟"

​الحاجة زينب حاولت تبتسم، بس شفايفها كانت بترتعش من السقعة:

— "يا ضنايا مفيش حاجة.. أنا بس قولت أشم شوية هوا نضيف، الجو جوه كان كتمة".

​ياسين غمض عينه بقهر.. دي أول كدبة في الليلة. بص جنبها لقى شنطة قماش قديمة فيها "غيار" واحد، وإزازة مية، وعلبة مرهم للركبة.. ده كان كل عالمها، شنطة مهلهلة وحصيرة مبلولة.

​فجأة، ضحكة عالية جداً طلعت من جوه البيت.. ضحكة جاية من قلب شبعان ومش شايل هم. ياسين بص من ورا القزاز، لقى الصالة "تشرح القلب"، كنبات جلد جديدة، نجف كريستال، وشاشة سينما على الحيطة.. وفردة "جزمت سواريه" بلمعة ذهبية مركونة عند الباب.

​قام وقف، وكان داخل يهد البيت على اللي فيه، بس إيد أمه الضعيفة مسكت طرف قميصه:

"بلاش فضايح يا ابني.. عشان خاطري".

​ياسين بص لها والوجع بياكله:

"بلاش فضايح إيه يا أمي؟ أنتي منيمة أمي في الشارع وعاوزاني أسكت؟"

​الحاجة زينب عينيها اتملت دموع وقالت بصوت يدوب مسموع:

"الفلوس اللي بتبعتها يا ياسين.. أنا مش بشوف منها مليم يا ابني".

​الدنيا لفت بـ ياسين.. المطرة، التلفزيون، الضحك، كله بقى سراب.

"يعني إيه مش بتشوفيها؟"

— "كنت بداري عليك عشان ماتشيلش الهم وأنت لوحدك هناك.. قولت أستحمل وأمرّي لله".

​ياسين شال أمه بين إيديه وهي بتترعش، ودخل بيها البيت. النور ضرب

في عينه، ريحة البيت "برفانات" غالية وأكل نضيف. وعلى الكنبة كانت "نرمين" قاعدة ماسكة الموبايل وبتضحك، وأول ما شافته اتخضت وقامت وقفت:

"ياسين؟ أنت جيت إمتى؟ وليه مكلمتنيش أجهز لك العشا؟"

​ياسين مردش.. حط أمه براحة على كرسي جنب الباب، ونرمين بدأت ترسم الضحكة تاني:

— "يا حبيبي نورت.. معلش تلاقي ماما زينب بس خرجت تقعد بره شوية أصلها بتحب الهوا، قولت لها يا ماما الجو بيمطر قالت لي ماليش دعوة".

​ياسين بص للبيت.. للدهب اللي في إيدها، للفرش اللي بآلافات، وبعدين بص لأمه اللي قاعدة "منكمشة" في طرف الكرسي خايفة توسخه بهدومها المبلولة.

​في اللحظة دي طلعت "هبة"، البنت الشغالة اللي نرمين جايباها تساعدها. أول ما شافت ياسين، سكتت، وبصت للأرض، وبعدين بصت للحاجة زينب وقالت كلمة خلت السقف يقع على دماغ الكل:

"يا أستاذ ياسين.. الحاجة زينب بقالها ٣ شهور بتنام بره في المنور وعند البوابة".

​نرمين صرخت فيها: "انتي اتجننتي؟ اخرسي!"

​ياسين قرب من هبة وصوته كان زي الرعد: "كملي.. ليه؟"

هبة قالت وهي بترتعش: "الست نرمين قالت إن الحاجة زينب بتكركب البيت.. وإن ريحة المراهم بتاعتها بتضايق الضيوف.. وبتقول إن شكلها 'بيئة' قدام صحابها الهوانم".

​نرمين بدأت تعيط وتمثل الانهيار: "كدابة! أنا بس كنت عاوزة نظام! أنا اللي شلت البيت ده ٧ سنين لوحدي! أنت متعرفش التعب اللي شفته!"

​ياسين فتح باب البيت على آخره، وشاور على الحصيرة المبلولة اللي بره:

 "ده النظام؟ إنك ترمي

أمي في المطرة عشان البرفان بتاعك ميروحش؟.. بكرة الصبح تلمي كل هدومك، وتغوري من البيت ده".

​نرمين شهقت: "أنت بتطردني عشان خاطرها؟ أنا مراتك!"

ياسين بص لها بقرف: "دي مش خاطرها.. دي أمي. والبيت ده ميتشرفش بيكي".

​في اللحظة دي، الحاجة زينب قامت وقفت.. مكنتش الست المكسورة اللي شافها من شوية. طلعت من شنطتها القماش "دوسيه" متغلف بكياس بلاستيك عشان المية، وحطته على التربيزة وقالت بهدوء:

"افتح ده يا ياسين".

​ياسين فتح الدوسيه، لقى عقود مسجلة، وتوكيلات، وأوراق رسمية.

نرمين اتجننت: "إيه ده؟"

​الحاجة زينب قالت بمرارة:

"البيت ده ملكي أنا.. أنا اللي اشتريته من ١٥ سنة بفلوس شغلي في السوق وشقايا قبل ما ياسين يسافر وقبل ما يعرفك أصلاً.. كنت شايلاه لليوم الأسود ومحبتش أقول عشان ابني يعتمد على نفسه.. واستحملت ذلّك وإهانتم ليا في بيتي عشان مخرّبش على ابني حياته".

​ياسين بص لأمه بذهول.. ونرمين وشها بقى زي الورقة.

الحاجة زينب كملت كلامها لنرمين:

"أنا سبتك تعيشي هنا ٧ سنين هانم عشان أنتي مراة ابني.. بس أنتي في ٧ سنين متعلتميش إن البيت بيتبني بالحب والرحمة، مش بالرخام والنجف.. اتفضلي بره، وعاوزة أشوفك بتوريني وشك وانتي بتاخدي مليم واحد من شقا ابني".

​الصبح طلع، والشمس نورت الدنيا. نرمين خرجت بشنطة هدومها، من غير برستيج ولا وجاهة.

​وياسين قعد جنب أمه في البلكونة، بيشربوا شاي بلبن، وقال لها:

"أنا مش هسافر تاني يا أمي.. شقايا هنا جنبك أحسن من

كنوز الدنيا".

​أمه طبطبت على إيده وقالت له:

"يا ابني.. الأهل مش اللي بتبعتلهم فلوس، الأهل هما اللي بترجع ليهم وتلاقي في حضنهم الأمان

تم نسخ الرابط