لمدة أحد عشر عامًا، لم تكن إليزابيث مجرد مريضة عادية في المصحة… بل كانت لغزًا حيًا.
لمدة أحد عشر عامًا، لم تكن إليزابيث مجرد مريضة عادية في المصحة… بل كانت لغزًا حيًا.
كانوا يطلقون عليها “أهدأ مريضة مرّت على المكان”. لا تثير المشاكل، لا تصرخ، لا تبكي، ولا تشارك أحدًا حديثه. كانت تمر الأيام عليها كأنها لا تعيشها، بل تراقبها فقط من بعيد.
لكن كان هناك شيء واحد غريب… طقس لا يتغير أبدًا.
في كل شهر، تحديدًا ليلة اكتمال القمر، كانت تجلس في نفس المكان، أمام لوحة رخيصة معلقة على الحائط — لوحة بلا قيمة فنية تُذكر — وتبدأ بالهمس.
همسات خافتة… كأنها تتحدث مع شخص لا يراه أحد.
كان الطاقم يهمس فيما بينهم:
“إنها تتحدث مع زوجها وابنها المتوفّيين…”
ومع الوقت، لم يعد أحد يهتم. صُنّفت حالتها على أنها “ميؤوس منها”.
لكن في تلك الليلة… تغيّر
لم أستطع النوم.
كان هناك شيء في عينيها… صفاء غريب، هدوء لا يشبه المرضى. ظلّ وجهها يلاحقني في الظلام، كأن فيه سرًا لم يُكشف.
في النهاية، استسلمت لفضولي.
عدتُ إلى غرفتها.
كان الممر ساكنًا، والهدوء ثقيلًا، لا يُسمع فيه سوى صوت خطواتي المترددة. باب غرفتها كان مفتوحًا قليلًا… كأنه ينتظرني.
تسللت نظرة إلى الداخل.
ضوء القمر كان ينسكب على الأرض كخيط فضي، يصل حتى قدميها. كانت جالسة كما هي… أمام اللوحة.
لكن هذه المرة… لم تكن تتحدث.
تقدّمت خطوة.
ثم أخرى.
وفجأة—
قالت بصوت هادئ جدًا، دون أن تلتفت:
أنت تعرف أنني لا أتحدث إلى الموتى… أليس كذلك؟
اتجمدت في مكاني.
شعرت بأنني أنا المراقَب… لا هي.
بعد لحظة، أدارت رأسها ببطء نحوي.
وعندما التقت أعيننا… شعرت بشيء غير مريح.
لم تكن نظرة مريضة.
كانت… واعية أكثر مما ينبغي.
إذن… لماذا تفعلين هذا؟ — سألت، بصوت خافت كأنني أخشى كسر شيء غير مرئي.
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة… متعبة… وكأنها سمعت هذا السؤال ألف مرة.
ثم قالت:
لأنني أستطيع أن أتنفس هنا.
سكتت لحظة، ثم تابعت:
عندما ماتا… لم يبقَ شيء في الخارج. العالم أصبح فارغًا… باردًا… غريبًا. الناس يقولون “الحياة تستمر”… لكن لا أحد يخبرك كيف تعيش عندما ينكسر كل معنى للحياة في لحظة واحدة.
مدّت يدها ولمست إطار اللوحة برفق… كأنها تلمس ذكرى، لا خشبًا.
هنا، الألم أخف. الأدوية تخففه… والتمثيل يكمله.
نظرتُ إليها بعدم فهم.
التمثيل؟
نظرت إليّ مباشرة، وقالت بهدوء
عندما أتحدث إلى اللوحة… يظن الأطباء أنني فقدت عقلي.
صمتت… ثم أضافت:
وطالما يظنون ذلك… لن يخرجوني من هنا.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أنتِ… تتظاهرين؟
ابتسمت مرة أخرى… لكن هذه المرة كان في ابتسامتها شيء أقرب للحزن من الراحة.
أنا لا أتظاهر… أنا أختار النجاة.
ثم مالت قليلًا للأمام، وقالت بصوت منخفض جدًا:
تذكر هذا جيدًا…
أحيانًا… لا يكون الجنون مرضًا.
أحيانًا… يكون الطريقة الأهدأ للبقاء على قيد الحياة.
خرجتُ من الغرفة… لكنني لم أخرج من تلك اللحظة.
مرت سنوات.
تغيرت أشياء كثيرة… أماكن، أشخاص، حياتي كلها.
لكن في كل مرة أرى القمر مكتملًا…
أتذكرها.
أتذكر تلك الغرفة… ذلك الضوء… تلك الكلمات.
وأدرك شيئًا واحدًا:
بعض
بل لأنهم رأوا من الحقيقة ما لا يمكن تحمّله.
ولن أنسى إليزابيث أبدًا.