مع أريكة، وخريطة، وحب أخي… كانت الرحلة هي طريق شفائنا ما زلت أستطيع أن أستحضر في ذاكرتي اليوم الذي قلت فيه أخيرًا وداعًا لتلك الأريكة البشعة القديمة،
مع أريكة، وخريطة، وحب أخي… كانت الرحلة هي طريق شفائنا
ما زلت أستطيع أن أستحضر في ذاكرتي اليوم الذي قلت فيه أخيرًا وداعًا لتلك الأريكة البشعة القديمة، وكأنه حدث بالأمس فقط. كان صباحًا خريفيًا لطيفًا، من ذلك النوع الذي تتلبد فيه السماء بالغيوم دون أن تمطر، والهواء البارد يلامس الوجنتين برفق. كان زوجي برايس قد غادر إلى العمل باكرًا، وتركني وحدي في المنزل، بينما كان كلبنا يتجول في المطبخ بحثًا عن بقايا طعام. وكان ضوء رمادي خافت يملأ غرفة المعيشة وينسدل فوق وسائد تلك القطعة الضخمة البالية.
كنت ألحّ على برايس منذ أشهر—ربما قرابة عام كامل—للتخلص من تلك الأريكة. وكلما ذكرتها، كان يومئ برأسه بشرود ويقول شيئًا مثل: «حسنًا، سنتصرف قريبًا» أو «لا تقلقي، سأتصل بشركة لنقلها»، لكنه لم يفعل شيئًا أبدًا. لم أفهم سبب تردده؛ فذلك لم يكن من طبعه. كان عمليًا عادةً، لا يحتفظ بالأشياء القديمة. لكن هذه المرة كانت مختلفة.
كانت الأريكة سيئة للغاية. في يوم من الأيام ربما كانت بلون أزرق فاتح جميل، لكن لونها الآن أصبح باهتًا يميل بين الرمادي والأخضر. القماش أصبح رقيقًا في بعض المواضع، والوسائد فقدت تماسكها، والإطار الخشبي يصدر صريرًا مزعجًا. والجلوس في المكان الخطأ قد يفاجئك بنابض معدني يغرز في فخذك. والأسوأ من ذلك أنني بدأت أشك في وجود عفن تحت الوسائد—رائحة عفنة لا أستطيع تحديد مصدرها. نظفتها بالبخار، ورششت معطرات، جربت كل شيء… لكن الرائحة ظلت عالقة في الجو.
كنت أردد لنفسي: «اليوم هو اليوم. لقد طفح الكيل.» توجهت
نقل الأريكة
عند الظهر، وصل رجلان من شركة النقل بشاحنة كبيرة. كانا ودودين، لكنني لمحت في عيونهما دهشة خفية عندما رأيا حال الأريكة.
— «هل هذه هي القطعة الوحيدة، سيدتي؟»
كدت أضحك.
— «نعم، هذه فقط. نريد إخراجها.»
تذمرا قليلًا وهما يدفعانها خارج الباب الأمامي ويثبتانها على عربة النقل. حاولت ألا أحدق كثيرًا، خشية أن تتفكك بين أيدينا. وفي النهاية، وُضعت في مؤخرة الشاحنة وثُبّتت بأحزمة مطاطية، ثم انطلقت الشاحنة تاركة فراغًا كبيرًا في غرفة المعيشة. كان الفراغ صادمًا—لم أدرك مدى حضورها في المكان إلا بعد غيابها. ومع ذلك، شعرت براحة مفاجئة؛ بدا المنزل أوسع، أقل اختناقًا.
انطلقت بعدها إلى متجر أثاث يقيم تخفيضات. وبعد نصف ساعة من البحث، اخترت أريكة زاوية جميلة بلون رمادي ناعم، بتصميم أنيق ووسائد داعمة بلا أي روائح غريبة. أكد لي البائع أن التوصيل سيكون في اليوم التالي. خرجت سعيدة، أتخيل دهشة برايس حين يرى أنني حسمت «مشكلة الأريكة».
رد فعل برايس
في المساء، عند السادسة تقريبًا، سمعت سيارته تدخل الممر. خفق قلبي حماسًا—سيشعر بالارتياح أخيرًا. كنت في المطبخ أعد العشاء حين سمعت الباب يُفتح وصوته يقول: «مرحبًا حبيبتي، عدتُ.» ثم ساد صمت. وبعد لحظة سأل:
— «ماذا… أين الأريكة؟»
دخلت
— «أتمنى أنكِ لم تتخلصي منها.»
ارتبكت.
— «بلى… ألم تقل إنك تريدها أن تخرج؟ لقد كانت مقززة. اتصلت بشركة نقل، أخذوها اليوم. وستصل أريكة جديدة غدًا.»
تبدلت ملامحه إلى خليط من الصدمة والخوف.
— «لا… لا…» همس وهو يمرر يده في شعره. «إلى أي مكب أخذوها؟ يجب أن نستعيدها.»
رفعت حاجبي دهشة.
— «نستعيدها؟ برايس، كانت تتفكك! لماذا نريدها؟»
نظر إليّ بعينين ممتلئتين بشيء لم أستطع تحديده—خوف؟ يأس؟
— «يجب أن نجدها الآن. لو لم نفعل… سأندم طوال حياتي.»
في مكب النفايات
وصلنا إلى أقرب مكب قبل إغلاقه بقليل. ضربتنا الرائحة الكريهة فورًا. ركض برايس نحو المشرف متوسلًا أن يسمح لنا بالبحث عن أريكة أُحضرت اليوم. أخرجتُ إيصال شركة النقل. وبعد تردد، سمح لنا الرجل بالبحث في منطقة مخصصة للحمولة الجديدة.
مشينا بين الأثاث المحطم وأكوام القمامة، وقلبي يخفق بقوة. وبعد دقائق، لمحها برايس—مائلة خلف خزانة مكسورة. صرخ:
— «ها هي!»
ركض إليها، قلبها على ظهرها، وبدأ يشق القماش أسفل الوسائد كمن يبحث عن كنز. كان يتمتم: «أرجوكِ، كوني هنا…»
وأخيرًا وجد تمزقًا صغيرًا في البطانة. أدخل يده وسحب ورقة صغيرة مجعدة، حوافها صفراء ومتآكلة. فتحها بعناية، وكأنها قطعة أثرية مقدسة. كانت مجرد ورقة مرسوم عليها خطوط بأقلام ملونة، مخطط منزل وعلامات «X» ورسومات أطفال. لكن برايس تنفس بارتياح عميق، كأنه عثر على أثمن كنز.
— «ما هذا؟» همست.
دمعت عيناه.
— «إنها خريطة… خريطة رسمتها أنا وأخي.
تجمدت. أخ؟ لم يذكر لي قط أن لديه أخًا. نظرت إلى الورقة، مكتوب عليها بخط طفولي:
“خطة ليو وبرايس السرية.”
الاعتراف
عدنا إلى السيارة، والخريطة بين يديه. جلس صامتًا والدموع تنهمر. وضعت يدي على كتفه.
— «برايس… هل لديك أخ؟»
تنفس بصعوبة.
— «كان لدي أخ. اسمه ليو. كان أصغر مني بعامين… وتوفي عندما كان في الثامنة.»
انقبض حلقي. لم أكن أعلم شيئًا عن هذا.
— «لا أتكلم عنه… لا أستطيع.»
في المنزل، جلسنا إلى الطاولة. قال بصوت مكسور:
— «كنا لا نفترق. نخترع مغامرات، قراصنة ومستكشفين. رسمنا هذه الخريطة، ووضعنا علامات للأماكن السرية في البيت.»
صمت، ثم تابع:
— «في أحد الأيام، تسلق شجرة ليضع صندوق كنز. كان عليّ أن أمسك السلم… لكنني انشغلت بملاحقة سنجاب. سقط… وضرب رأسه. لم يستطع المسعفون إنقاذه.»
أمسكت يده، والدموع تغمرني.
— «كنت في العاشرة فقط… وظللت أشعر بالذنب طوال حياتي.»
نظر إلى الخريطة.
— «بعد جنازته، خبأتُها داخل الأريكة. كانت مقرنا الرئيسي، نحلم عليها بمغامراتنا. لم أستطع أن أفقدها.»
الفهم والشفاء
حينها فقط فهمت سبب تمسكه بالأريكة. لم تكن قطعة أثاث بالية… بل آخر خيط يربطه بأخيه. شعرت بوخزة ندم لأنني لم أسأله يومًا عمّا تعنيه له.
— «لماذا لم تخبرني؟» سألته بهدوء.
مسح دموعه وقال:
— «ربما لأنني شعرت بالخجل… لأنني لم أستطع حمايته. وربما لأنني دفنت الذكرى عميقًا حتى لا أواجهها.»
في تلك الليلة، لم تكن الأريكة هي ما استعدناه حقًا… بل قصة لم تُحكَ، وجرحًا ظل مغلقًا سنوات طويلة.
وأدركت أن الرحلة إلى مكب