الهدايا المجهولة التي كانت تصل كل عام… وما اكتشفه في سن الثامنة عشرة غيّر كل ما كان يؤمن به عن والدته
الهدايا المجهولة التي كانت تصل كل عام وما اكتشفه في سن الثامنة عشرة غير كل ما كان يؤمن به عن والدته
في المرة الأولى التي وصل فيها الطرد كان دانيال في السادسة من عمره ولم يكن يفهم تماما معنى كلمة الغياب.
كانت والدته قد توفيت قبل ثلاثة أشهر فقط. كان المنزل لا يزال يحمل رائحتهاصابون اللافندر والقهوة الطازجة في الصباح ذلك المزيج من الدفء والإرهاق الذي يتركه خلفه أناس يكافحون طوال حياتهم دون أن يشتكوا.
عمته لورا التي أصبحت تتولى رعايته حاولت أن تبقي كل شيء منظما. ربما منظما أكثر من اللازم. كان كل شيء نظيفا دائما والوجبات تقدم في نفس الموعد والتلفاز يعمل ليملأ الصمت. لكن كان هناك شيء لا يستطيع أحد إصلاحه الفراغ الذي تركته أمه خلفها.
في ذلك الثلاثاء عند الرابعة عصرا طرق الباب.
سأل دانيال من خلف الطاولة وواجب الرياضيات مفروش أمامه
هل ننتظر أحدا
أجابت عمته وهي تجفف يديها بمنشفة المطبخ
لا.
عندما فتحت الباب لم يكن هناك أحد. فقط صندوق صغير ملفوف بعناية بورق بني بلا عنوان مرسل.
تمتمت
يا للغرابة
اقترب دانيال بفضول. وعلى أعلى الصندوق مكتوبة بخط اليد جملة واحدة
لدانيال. افتحه اليوم.
في الداخل وجدا حقيبة مدرسية جديدة.
ليست أي حقيبة. كانت متينة زرقاء داكنة وبها العديد من الجيوب. بالضبط النوع الذي طلبته المعلمة في ذلك الأسبوع لأن حقيبته القديمة كانت ممزقة ولم يكن باستطاعتهم شراء غيرها.
سأل دانيال
من الذي أرسلها
هزت عمته رأسها.
لا أعرف يا حبيبي.
افترضا أنها ربما من شخص كان يعرف والدته. شخص لا يريد ذكر اسمه. شخص أراد المساعدة.
ثم لم يحدث شيء آخر.
حتى العام التالي.
كان دانيال قد كاد ينسى ذلك الطرد عندما في اليوم
هذه المرة هو من فتحه.
صندوق آخر.
مرة أخرى بلا عنوان مرسل.
ومرة أخرى نفس الخط
لدانيال. افتحه اليوم.
في الداخل كان هناك حذاء رياضي جديد.
كان بمقاسه تماما.
وليس هذا فحسببل كان هو نفسه الذي ظل ينظر إليه لأسابيع في واجهة أحد المتاجر ذلك الذي كان يعلم أنه لا يستطيع طلبه لأن عمته تفعل الكثير من أجله بالفعل.
قالت لورا بصوت خافت
هذا ليس صدفة.
ودانيال لم يظن ذلك أيضا.
كان هناك من يعرف.
من يراقب.
لكن ليس بطريقة مخيفة بل بطريقة مليئة بالاهتمام.
ومع مرور السنوات استمرت الطرود في الوصول.
دائما مرة واحدة في السنة.
دائما في نفس اليوم.
دائما بلا توقيع.
في الثامنة كان قاموسا مصورا تماما عندما بدأ يعاني في القراءة.
في التاسعة معطفا سميكا كان يحتاجه أكثر مما يريد الاعتراف.
في العاشرة كرة قدم عندما قرر الانضمام إلى فريق المدرسة رغم أنه لم يخبر أحدا.
كل هدية بدت وكأنها استجابة لشيء لم يقله بصوت عال.
كأن هناك من يسمع أفكاره.
قال له أحد زملائه مرة
ماذا لو كان ملاكا
ضحك دانيال لكنه في أعماقه لم يكن يعرف ماذا يصدق.
لم تكن هناك رسالة تشرح شيئا.
ولا مكالمة هاتفية.
ولا أحد جاء ليطلب الشكر.
فقط الهدايا.
دائما في الوقت المناسب.
دائما بصمت.
عندما بلغ الثانية عشرة بدأ يطرح أسئلة أكثر جدية.
عمتي هل كانت أمي تساعد الكثير من الناس
نظرت إليه لورا من فوق نظارتها.
نعم. كثيرا.
يعني لدرجة أن أحدهم يفعل هذا من أجلي
ترددت لحظة قبل أن تجيب.
كانت أمك من النوع الذي لا يسأل إن كان يستطيع المساعدة. كانت تساعد فحسب.
وهل أنقذت أحدا
تنهدت المرأة.
دانيال أمك لم تكن تتحدث عن ذلك أبدا. كانت تقول
هذا الجواب بدل أن يطمئنه أيقظ بداخله شيئا.
شعورا بقصة غير مكتملة.
في الخامسة عشرة كانت الهدية مختلفة.
لم تكن ملابس.
ولا أشياء.
كانت ظرفا.
في داخله مبلغ كاف لدفع رسوم دورة مدرسية كان يرغب في الالتحاق بها لكنه لم يذكرها في المنزل لأنه كان يعلم أنهم لا يستطيعون تحمل تكلفتها.
في تلك الليلة لم يستطع النوم.
لم يعد الأمر مجرد مساعدة.
وهذه المرة كانت هناك رسالة أطول
لم يكن الخط مختلفا لكنه بدا أبطأ. كأن اليد التي كتبته تعرف أن هذه هي
المرة الأخيرة.
فتح دانيال الورقة ببطء وقرأ
عزيزي دانيال
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة فهذا يعني أنك بلغت الثامنة عشرة وأن مهمتي قد انتهت.
لم أكن أرسل لك الهدايا بدافع الشفقة ولا بدافع الواجب.
كنت أسدد دينا دينا لا يمكن قياسه بالمال.
قبل ثمانية عشر عاما أنقذتني والدتك.
ليس من حادثة عابرة ولا من خطر بسيط.
أنقذت حياتي حرفيا.
كنت شابا ضائعا مريضا ومكسورا. لم يكن لدي مال للعلاج ولا عائلة تلجأ إليها. كانت والدتك تعمل آنذاك في المستشفى. لم تكتف بعملها. بقيت بعد دوامها. تحدثت مع الأطباء. جمعت تبرعات. أقنعت الإدارة. ولم تخبر أحدا.
عندما تعافيت حاولت شكرها. لكنها قالت لي شيئا لن أنساه أبدا
إذا أردت أن تشكرني افعل الخير لشخص لا يستطيع أن يرده لك.
بعد أشهر رحلت فجأة.
وعندما عرفت أن لديها طفلا صغيرا أنت فهمت ما يجب أن أفعله.
لم أرد أن أحل محلها.
ولم أرد أن تعرف اسمي.
كنت فقط أريد أن أتأكد أنك لن تشعر يوما أن العالم تخلى عنك.
كل هدية كانت اختيارا بعناية.
لم أكن أقرأ أفكارك لكنني كنت أراقب من بعيد.
كنت أزور مدرستك أحيانا بحجة التبرع.
كنت أستفسر بطريقة
لم أفعل ذلك بدافع الفضول بل بدافع الامتنان.
اليوم لم أعد مضطرا للاختباء.
إذا رغبت في معرفتي ستجد اسمي وعنواني في الظرف الصغير داخل العلبة.
وإذا لم ترغب سأفهم.
تذكر فقط
أمك لم تكن امرأة عادية.
كانت بطلة لكنها لم تكن تريد أن تعرف كذلك.
وأظن أنك تشبهها أكثر مما تتخيل.
توقفت عينا دانيال عند السطر الأخير.
داخل العلبة أسفل الساعة وجد ظرفا صغيرا مغلقا.
يداه كانتا ترتجفان.
لثماني عشرة سنة عاش على لغز.
بنى قصصا في رأسه.
تخيل ملائكة وأسرارا واحتمالات.
والحقيقة
كانت أمه.
ليست لأنها أرسلت الهدايا.
بل لأنها زرعت معروفا في قلب إنسان فعاد المعروف إليه.
نظر إلى عمته لورا التي كانت تراقبه بصمت ودموعها تنزل بهدوء.
همست
كنت أعلم أنها فعلت شيئا كبيرا لكنني لم أعرف أنه بهذا الحجم.
ابتسم دانيال لأول مرة منذ سنوات دون ذلك الثقل في صدره.
فتح الظرف الصغير.
قرأ الاسم.
ثم رفع رأسه وقال
أظن أن الوقت قد حان لأكمل ما بدأته.
في تلك الليلة لم يشعر بالفراغ الذي كان يلازمه منذ السادسة.
لأنه أدرك شيئا بسيطا وعظيما في آن واحد
الحب الحقيقي لا يموت.
بل يجد طريقا للعودة حتى لو استغرق الأمر ثمانية عشر عاما
كان يتعلق بشخص يعرفه.
شخص كان معه طوال حياته دون أن يكشف عن نفسه.
قال في اليوم التالي
أريد أن أعرف من هو.
سألته لورا
وماذا لو كان هذا الشخص لا يريدك أن تعرف
أجاب دون تردد
لكنني بحاجة إلى أن أعرف.
منذ ذلك الحين احتفظ بكل شيء.
الصناديق.
الأوراق.
التواريخ.
الخط.
نوع الشريط اللاصق.
طريقة التغليف.
أصبح الأمر أشبه بهوس صامت.
ليس لأنه يشك في الهدايا.
بل لأنه كان يشعر أن وراءها شيئا أكبر منه.
شيئا له علاقة بوالدته.
وصل الطرد
كان أثقل من غيره.
في داخله وجد ساعة.
أنيقة.
بسيطة.
من النوع الذي لا يخرج عن الموضة.
وهذه المرة كانت هناك رسالة أطول